كشفت مصادرٌ أمنيّةُ إسرائيليّةٌ عديدةٌ مطلعةٌ على البرنامج النوويّ الإيرانيّ على مدى العقود الثلاثة الماضية، النقاب على ضرورة التعامل مع المواد الانشطاريّة، أي اليورانيوم المخصب، لافتةً إلى أنّه لا يفهمون كيف سمحت إسرائيل لنفسها بالوصول إلى وضعٍ يمكّن إيران من تجميع 12 قنبلة ذرية في فترةٍ وجيزةٍ، في اتفاقٍ لا يتضمن، على الأقل حتى الآن، أيّ بنودٍ تتعلق بتقويض قدرة إسرائيل على العمل بشكلٍ مستقلٍ.
أمرٌ واحدٌ قادرٌ على شطب الكيان: القنبلة النوويّة
وقال رونين بيرغمان، الإعلاميّ المُتخصِّص في الأمور الاستخباراتيّة في تحقيقٍ استقصائيٍّ نشره في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة، إنّه من وجهة نظر أعضاء هذه المجموعة، قد تكون إيران ترتكب العديد من الأخطاء، لكن هناك أمر واحد فقط قادرٌ على إنهاء الدولة اليهودية، وهو جوهر القنبلة الذرية.
وأردف أنّه وفقًا لمعظم أعضاء المجموعة، فإنّ سلسلةً من الأخطاء الجسيمة أوصلت إسرائيل إلى وضعها الكارثيّ الحاليّ، وخلال الستين يومًا التي تبدأ يوم الجمعة، من المفترض أنْ تتوصل طهران وواشنطن لاتفاقٍ بشأن القضايا النوويّة، لكن الخبراء أعربوا عن قلقهم البالغ قائلين: “قد يستغلّ الإيرانيون هذه الفترة، التي تخلو من الرقابة ويُحظر فيها أيّ عملٍ، ويباشرون بتطوير أسلحةٍ نوويّةٍ”. ويضيفون: “إنّ الوضع السياسيّ الداخليّ والتشابك الإستراتيجيّ بين إسرائيل والولايات المتحدة لن يتركا بالضرورة للقادة الوقت الكافي للتعامل مع هذه القضية”.
إيران تمتلك حاليًا مواد مُخصّبة لصنع حوالي 12.5 قنبلة
وتابع: “ستون يومًا، النظام نفسه الذي حوّل الاحتيال النوويّ إلى صناعة تصديرٍ وطنيّةٍ، قد يستغّل هذا الوقت للاندفاع سرًا نحو المكان الذي اقترب منه أكثر من أيّ وقتٍ مضى: الأسلحة النوويّة”.
وكشفت المصادر، وفق بيرغمان، عن أنّ إيران تمتلك حاليًا مواد مُخصّبة بكمياتٍ كافيةٍ، بعد مزيد من التخصيب، لصنع حوالي 12.5 قنبلة من هذه المواد بمستويات تخصيبٍ أعلى: عمليًا، ووفقًا للحسابات المهنية المُعتّمدة فإنّ مَنْ يمتلك مواد بنسبة تخصيب 60 بالمائة يكون قد قطع شوطًا كبيرًا في صنعها.
إسرائيل وأمريكا فشلتا إستراتيجيًا
وعبّر رافي ميرون، الذي كان نائب رئيس مجلس الأمن القوميّ والمسؤول عن إدارة البرنامج النوويّ الإيرانيّ، عن الأمر بوضوحٍ: “لقد تقدّم البرنامج عبر مساريْن: مسار المواد، اليورانيوم المُخصّب المستخدم في الأسلحة، ومسار التسليح، القدرة الهندسية على تحويل هذه المواد إلى جهازٍ نوويٍّ متفجرٍ.
ووصف ميرون هذا بأنّه “فشلٌ إستراتيجيٌّ في التوجيه أحبط مرّةً أخرى عملية عسكرية بارعة”، ووفقًا له، كان ينبغي أنْ تستهدف اللحظة الأولى للهجوم، اللحظة الوحيدة التي شهدت مفاجأة تكتيكية حقيقية، جوهر التهديد: المواد المخصبة بنسبة 20 حتى 60 بالمائة أولًا، ثمّ الصواريخ، ثمّ كلّ شيءٍ آخر، مؤكِّدًا في وثائقه أنّ المواد عالية التخصيب “تجعل نظام التخصيب الصناعي بأكمله غير ضروري”، وتجسد التهديد الأساسيّ، لكنّها تبقى تحت سيطرة الإيرانيين.
اغتيال خامنئي منح الإيرانيين كلّ مبررٍ بالعالم لامتلاك القنبلة النوويّة
من بين جميع الخبراء الذين تحدث معهم بيرغمان، كرّرّ كلّ واحدٍ منهم، بشكلٍ مثيرٍ للقلق، نفس الاستنتاج، وقال أحدهم: “من خلال معرفتي بهؤلاء الناس، وعقليتهم، وروحهم، وعزيمتهم، لا يساورني أدنى شك في أنّهم الآن، وقد فقدوا القائد المسؤول الذي كان يضبطهم ويمنعهم من تطوير القنبلة، قد منحناهم كلّ مبررٍ في العالم لامتلاك قنبلةٍ نوويّةٍ، هذه هي الفجوة بين الواقع وألبوم صور النصر. في الواقع، لا تزال الصورة غير مكتملةٍ عن حجم الضرر ولا توجد رقابة كاملة، ولم يخرج مخزون المواد عالية التخصيب عن سيطرة إيران.
وشدّدّ التقرير على أنّ “القوّة الخفيّة في الوضع الراهن، لا يحتاج الإيرانيون إلّا لجزءٍ صغيرٍ من أجهزة الطرد المركزيّ المتطورة التي كانت لديهم في حزيران (يونيو) 2025 لإتمام تخصيب المواد عالية التخصيب إلى مستوىً يسمح بصنع عدة قنابل في فترةٍ وجيزةٍ. وكلّما صغر الهدف وصغر حجمه، وتشتت نطاقه، وأصبح إخفاؤه أسهل، ومهاجمته أصعب، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يكتنف مهلة الستين يومًا.
الأسلحة النوويّة ضمانة لبقاء النظام الإيرانيّ
وعرض ميرون خيارين رئيسيين لإيران: الأول، العودة إلى الاتفاق، وتفكيك الأصول النووية تحت إشراف، وإعادة المفتشين ووسائل المراقبة، وتوقيع مبادئ مماثلة لاتفاق أوباما النوويّ، أمّا الخيار الثاني، وهو الأخطر بكثيرٍ، فهو استغلال المفاوضات والفوضى التي تعقب الحرب لتحويل المواد المخصبة، ومرافق التخصيب، وأصول الأسلحة إلى مواقع سريّةٍ، والتقدم إلى مستوى إنتاج الأسلحة، وإجراء عملية إعادة تحويل، ومواصلة التقدم عبر المسار الهندسيّ، ثم اختيار الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والكشف عن قدرةٍ نوويّةٍ، والنموذج الذي يقلق ميرون هو كوريا الشمالية. ليس لأنّ إيران وكوريا الشمالية متماثلتان، بل لأنّ الدرس واضح: المسألة ليست كيفية إيقاف القنبلة، بل كيفية التعايش مع نظام يمتلكها. الإيرانيون يدركون هذا. لذا، بعد الضربات التي تلقوها، قد يعززون قناعتهم بأنّ الأسلحة النوويّة ليست خطرًا على النظام، بل هي بمثابة ضمانة لبقائه”.
الهجمات العسكريّة حسّنت وضع إيران الإستراتيجيّ
وتابع التحقيق: “هنا لا بُدّ لنا من قول الأمر الأكثر إزعاجًا: من المحتمل جدًا أنّ الجولات العسكرية الأخيرة لم تمنع إيران من امتلاك القنبلة فحسب، بل حسّنت وضعها الإستراتيجيّ نحو تحقيق اختراق، إذْ أنّها كشفت لها مواطن ضعفها، ومواطن مناعتها، وما تعرفه إسرائيل، وما هي استعدادات الولايات المتحدة لفعله، وإلى أيّ مدى يمكن أنْ تدفع الجبهتان الإسرائيليّة والأمريكيّة ثمن ذلك، وكيف يسارع العالم لإنهاء حربٍ قبل حتى أنْ يُعالج المشكلة التي أشعلت فتيلها”.
نتنياهو قدّم صورة نصرٍ كاذبةٍ
واختتم التحقيق: “بعد سنواتٍ من تصوير نفسه على أنّه الشخص الوحيد المسؤول في مواجهة إيران، قدّم للجمهور صورة نصرٍ لا تصمد أمام اختبار الحقائق. هذا ليس مجرد خطأ في المعلومات المضللة، بل هو تضليل يُخفي خطأً استراتيجيًا، وهذا أشد خطورةً، لأنّه إذا اعتقد الرأي العام أنّ التهديد قد زال، فلن يكون هناك ضغط لتعديل الاتفاق، وإذا اعتقدت الحكومة أنّها انتصرت، فلن يكون هناك داعٍ للاستعجال في استعادة المواد، وإذا اعتقد الأمريكيون أنّ الحرب قد حققت أهدافها، فسيكتفون بصياغةٍ مُنمقةٍ، وإذا اعتقد الإيرانيون أنّ كلّ ما عليهم فعله هو الصمود، وكسب الوقت، وتقسيم المواد، واستئناف عمليات التفتيش بشكلٍ انتقائيٍّ، والتظاهر، فإنّ الستين يومًا القادمة لن تكون ممرًا للدبلوماسيّة، بل نافذةً لتحقيق اختراقٍ نوويٍّ”، طبقًا لأقواله.
رأي اليوم