You are currently viewing هل خسر الكيان من الاتفاق مع إيران؟

هل خسر الكيان من الاتفاق مع إيران؟

هل خسرت إسرائيل من الاتفاق (مذكرة التفاهمات) بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران؟ تبدو الإجابة سهلة في الوهلة الأولى، لكنّ التعمق في المسألة يجعل من الصعب اختزالها بنعم أو لا. فلم تنحصر خسارة إسرائيل في أن الاتفاق حرمها من صورة النصر التي أرادتها، أو أن الولايات المتحدة تجاوزت رغبتها، أو أن إيران خرجت من الحرب من دون انهيار النظام فيها. الخسارة الأعمق ظهرت في أن الاتفاق قيّد قدرة إسرائيل على إعادة تشكيل الإقليم وإدارته وفق تصورها وحدها (الشرق الأوسط الجديد)، وأكد مرة أخرى أن واشنطن حين ترى مصالحها الإستراتيجية مهددة تستطيع اختيار مسار لا تفضله إسرائيل، من دون أن يعني ذلك تخليها عن أمن إسرائيل أو خروجها من التحالف معها.

ينطلق هذا المقال من منطلقين أساسيين؛ يرى المنطلق الأول أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل علاقة مركّبة تجمع بين حماية إستراتيجية واسعة، ودعم عسكري وسياسي عميق، ولكنّها لا تلغي المصالح الأميركية المستقلة. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المنطقة من زاوية إسرائيل وحدها، إذ تحضر في حساباتها ملفات النفط، والممرات البحرية، والقواعد العسكرية، والأسواق والانتخابات، وصورة القوة الأميركية وتوازناتها مع الصين وروسيا وأوروبا. لذلك، اتجهت واشنطن إلى إغلاق الحرب عندما بدأت تمس مصالحها المباشرة في المنطقة.

أما المنطلق الثاني فيتعلق بتحول سياسات دول الخليج خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد العواصم الخليجية تقرأ إيران بالطريقة نفسها التي قرأتها في مراحل سابقة. إذ مثّلت حادثة “أرامكو” في أيلول 2019 نقطة مهمة، حينها أدرك الخليج أن المواجهة مع إيران لا تبقى في حدود الخطاب السياسي أو الردع البعيد، وأن كُلفتها قد تصل مباشرة إلى منشآته الحيوية. ثم عمّق استهداف إسرائيل للدوحة خلال الحرب على غزة السؤال نفسه، حول معنى التحالفات الدفاعية مع الولايات المتحدة وجدواها عند لحظة الاختبار. بعد ذلك، دفعت الحرب ضد إيران دول الخليج إلى حسابات أكثر عمقا. فهذه الدول لا تريد هيمنة إيرانية لكنها لا تريد أيضا أن تتحول إلى ساحة تدفع كُلفة مباشرة لحرب تخدم أولويات إسرائيلية أو أميركية، أكثر مما تخدم استقرار الخليج.

من هنا، أخفقت الولايات المتحدة في جر دول الخليج إلى حرب مفتوحة مع إيران. ولا يعني هذا الإخفاق أن الخليج اصطف مع إيران أو أن الخلافات بين الطرفين انتهت؛ لكنه يعني أن دول المنطقة بدأت تميز بين القلق من إيران والانخراط في حرب ضدها. وهذه مسافة سياسية مهمة، لأن إسرائيل أرادت تحويل الخوف من إيران إلى جبهة وتحالف إقليمي عسكري – اقتصادي تقف خلف الحرب، غير أن الواقع أظهر اتجاها مختلفا. فبعض دول الخليج تميل اليوم إلى تحصين نفسها، وتوسيع شراكاتها الأمنية، والحفاظ على علاقتها مع واشنطن مع إبقاء باب التفاهم مع إيران مفتوحا حين ترى أن الحرب تهدد المدن والموانئ والطاقة وخطط الاقتصاد.

وخسرت الولايات المتحدة أيضا صورة الحامي المطلق؛ فقد أظهرت الحرب أن القواعد والحاملات الأميركية قد تتحول في لحظة الحرب من أدوات ردع إلى أهداف محتملة. وهذا لا يلغي القوة الأميركية، لكنه يغيّر معناها السياسي والعسكري؛ فعندما يطلب الحليف حماية ثم يكتشف أن أرضه قد تصبح جزءا من ساحة الرد، يبدأ في البحث عن توازنات إضافية وعن مسارات تهدئة وعن تفاهمات تخفف كُلفة الاعتماد المطلق على القوة الأميركية.

عند هذه النقطة، يبدأ سؤال خسائر إسرائيل، وأول ما خسرته هو صورة النصر المطلق؛ فقد دخلت الحرب وهي تقدم نفسها قوة قادرة على نقل المعركة إلى داخل إيران، وفرض قواعد جديدة بالقوة. غير أن الاتفاق اللاحق أعاد النقاش إلى فتح مضيق هرمز، ووقف الحرب بصورتها السابقة، والعودة إلى التفاوض حول النووي، وتعليق بعض أدوات الضغط الاقتصادي.

وهذه ليست لغة انتصار كامل، وإنما لغة إدارة نتائج حرب لم تنتج حسما. لذلك مثّلت هذه النتيجة بالنسبة إلى إسرائيل ضربة لصورة الردع التي حاولت ترميمها؛ لأنها أظهرت أن القوة ضربت إيران من دون أن تخرجها من المعادلة، أو تمنع واشنطن من التفاوض معها، أو تدفع طهران إلى قبول الشروط الإسرائيلية الكاملة.

وخسرت إسرائيل أيضا معركتها في فصل الجبهات، فقد أرادت التعامل مع إيران ولبنان بالتحديد كملفات منفصلة، بحيث تضرب في ساحة وتفاوض في أخرى، وتمنع انتقال الضغط من جبهة إلى جبهة، غير أن الاتفاق أعاد ربط هذه الساحات بطريقة مختلفة. فحين يدخل لبنان في حسابات وقف الحرب، وحين تؤثر العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله في مسار التفاهم بين واشنطن وطهران، تفقد إسرائيل جزءا من حرية الحركة التي تريدها. ولذلك، بدا القلق الإسرائيلي من البند اللبناني حادا؛ لأن المسألة لا تتعلق بالانسحاب من جنوب لبنان وحده، وإنما باحتمال أن يتحول الاتفاق إلى سقف سياسي يضبط السلوك العسكري الإسرائيلي.

وخسرت إسرائيل رهانها على بناء جبهة أمنية إقليمية صلبة ضد إيران، إذ لم تختف علاقاتها مع بعض دول المنطقة لكن الحرب كشفت حدود هذا المسار. إذ أن دول الخليج تريد الحفاظ على علاقتها مع واشنطن، ولا تريد منح إيران هامشا أوسع، لكنها ترفض تحويل أراضيها وبناها التحتية إلى خط تماس في حرب طويلة، وهنا تتضرر الفكرة الإسرائيلية عن جبهة إقليمية جاهزة ضد إيران؛ لأن الفرق يبقى واسعا بين التطبيع والتعاون والتنسيق من جهة، وتحمّل كُلفة الصواريخ والمسيّرات وتعطيل النفط والغاز والموانئ من جهة أخرى.

وخسرت إسرائيل كذلك جزءا من رهانها على الممرات التجارية البديلة، فقد جرى تسويق هذه المشاريع بوصفها قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، وإدماج إسرائيل في قلب التجارة بين آسيا وأوروبا. ومن هذه الزاوية، بدا الاتفاق مع إيران اعترافا غير مباشر بأن الاستقرار لا يتحقق عبر ممرات تتجاهل موازين القوة القائمة، وإنما عبر تفاهمات مع الأطراف القادرة على تعطيلها.

أما إيران، فلم تخرج من الحرب بلا خسائر؛ فقد خسرت قيادات سياسية وعسكرية وفي مقدمتهم المرشد الأعلى، كما تعرضت مقدراتها العسكرية وبناها الحساسة إلى ضربات مؤلمة، ودفعت كُلفة داخلية وخارجية واضحة، وزاد التوتر في علاقتها مع بعض دول المنطقة، خصوصا عند الحديث عن الردود التي طالت دول الخليج. لذلك لا يصح تصوير إيران كمنتصر صاف، فالحرب أوجعتها وكشفت ثغراتها وأظهرت أن قوتها الردعية تحمل كُلفة سياسية قد تدفع بعض العواصم المجاورة.

ومع ذلك، حققت إيران مكاسب تقلق إسرائيل. فقد انتزعت، أولا، اعترافا عمليا بأنها طرف لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم. ومن هذا الموقع، حولت مضيق هرمز إلى ورقة قوة وتفاوض، وأعادت الأموال والعقوبات إلى جدول المقايضة، بعدما أرادت إسرائيل إبقاء الضغط الاقتصادي من دون تخفيف.

ولم يتوقف المكسب الإيراني عند هذا الحد، إذ ثبّتت طهران منطق ربط الساحات لا سيّما مع حزب الله، بعدما أظهر مسار الحرب والتفاوض أن لبنان لا ينفصل كليا عن الحساب الإيراني، وأن العمليات الإسرائيلية ضد الحزب يمكن أن تؤثر في مسار التفاهم مع طهران.

كما أثبتت إيران أن دول الخليج، رغم قلقها منها، لا تريد حربا شاملة ضدها. ويعدّ هذا المكسب الأخير شديد الإقلاق لإسرائيل، لأنه يضعف قدرتها على تحويل إيران إلى عدو إقليمي جامع، ويجعل فكرة التفاهم معها أكثر حضورا في الحسابات العملية لدول المنطقة.

وختاما، يمكن القول إن إسرائيل خسرت من الاتفاق؛ لأنه كشف عن أن واشنطن تستطيع عند لحظة معينة تقديم مصالحها على الرغبة الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك خروجها من التحالف مع إسرائيل أو تخليها عن أمنها. كما أظهر الاتفاق أن سياسات دول المنطقة تشهد تحولات تحتاج إلى وقت حتى تتضح آثارها الكاملة، وتثير قلقا إسرائيليا متزايدا، ولا سيّما في ظل التقارب التركي – السعودي – المصري. والأدق أن الاتفاق، إن تم، لا ينهي الحرب بصورة كاملة وإنما يعيدها إلى هيئتها السابقة، أي إلى حروب الظل المتمثلة في الفضاء السيبراني والاختراقات والاغتيالات الصامتة.

عرب48

هل خسرت إسرائيل من الاتفاق مع إيران؟

شارك المقالة