عبد الباري عطوان
اهم العلامات الفارقة التي يمكن رصدها وسط جبل المعلومات المتدفقة عن تطورات حرب الأيام القليلة الماضية، انتقال ايران من استراتيجية الردع الى استراتيجية الهجوم السريع بالصواريخ الدقيقة على اهداف عسكرية في العمق الفلسطيني المحتل، وتنفيذ عملي مدروس لتهديداتها بتحويل الحرب مع أمريكا وإسرائيل الى حرب استنزاف إقليمية بفتح جبهات جديدة.
العميد إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني عبر عن هذه الاستراتيجية في تصريح له اليوم، جاء بعد غياب طويل عندما قال “ان محور المقاومة اقام حزاما امنيا يمتد من مضيق هرمز الى باب المندب، ومن الخليج الى البحر الأحمر تحت راية المحور”.
الرد الإيراني السريع على العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية، ورغم “محدوديته” واقتصاره على قصف شقة في عمارة، أي لم يكن تدميرا شاملا مثلما هدد وتوعد يسرائيل كاتس وزير الحرب الإسرائيلي، كان رسالة قوية موجهة ليس الى إسرائيل فقط، وانما الى السلطة اللبنانية تقول مفرداتها ان “حزب الله” لن يقف وحده، ولن يكون “حماس لبنان” دون سند او دعم، وان سلاحه “مقدس” لن ينزع بل سيتم تعزيزه.
***
بات من الصعب علينا نحن الذين نتابع الاعتداءات الإسرائيلية الامريكية المشتركة إحصاء عدد القتلى الإسرائيليين الذين يسقطون من جراء هجمات المقاومة في لبنان، وجميعهم حتى الآن من الضباط والجنود لكثرتهم، والشيء نفسه يقال عن المسيّرات الامريكية الباهظة التكاليف فوق مضيق باب المندب، ونتوقع ان تكون مهمتنا في الإحصاء اصعب في الأيام المقبلة بدخول كتائب “انصار الله” اليمنية الى الميدان، والعودة الى استهدافها حاملات الطائرات والبوارج الحربية الامريكية في بحري العرب والاحمر.
الرد الإيراني السريع جدا سواء كان في حيفا او تل ابيب او ديمونا، حرق أهم ورقة استراتيجية كانت لدى اسرائيل، وهي جر أمريكا الى الحرب، والاستناد الى قوتها في اجتثاث التهديد الوجودي الإيراني لها، ونزع ابرز أسلحته الحالية او المستقبلية، الحالية هي البرنامج الصاروخي المتطور جدا، والثاني البرنامج النووي الواعد جدا، والتخصيب العالي لليورانيوم الذي جعل من ايران دولة حافة نووية على بعد بضعة أسابيع، ان لم يكن أياما من انتاج 10 قنابل نووية.
إسرائيل خسرت حتى الآن، اهم ورقة في يدها، وهي “تثوير” الشعب الإيراني ضد النظام الثوري الإسلامي، والتجرؤ على تحريضه، بل وتسليحه، جزئيا وتكنولوجيا للقيام بهذه المهمة، وبوقاحة غير مسبوقة، سواء من بنيامين نتنياهو او الأمريكي دونالد ترامب.
ومثلما فشلت استراتيجية الفصل بين الساحات والتفرد بكل ساحة لوحدها، بل ما حدث هو العكس، أي تعزيزها، فشلت أيضا استراتيجية “الصدمة والترويع” الامريكية لمحور المقاومة بقيادة ايران أيضا.
التطور الأخطر الذي كشفت عنه حرب “المئة يوم” الحالية تشريعها لقصف القواعد الامريكية في منطقة الخليج من قبل ايران وصواريخها لانطلاق القصف الصاروخي والمسيّراتي لأهداف في العمق الإيراني منها، وافشال الدور الذي جرى بناؤها لتحقيقه، وهو تدمير ايران، بل ما حدث هو العكس، أي تحول هذه القواعد الى عبء ونقطة ضعف استراتيجي من حيث عدم القدرة على حماية نفسها أولا، او حماية الدول الضعيفة بشريا وتسليحيا رغم تكاليف الانشاء والصيانة العالية جدا.
الاختراق التطبيعي الإسرائيلي للسلطة اللبنانية وعنوانه الأبرز النزع المشترك الإسرائيلي اللبناني لسلاح حزب الله لم ولن يعمر طويلا، وظل محصورا في زاوية التمنيات وبعض الحملات الإعلامية المدروسة، ويعود الفضل في ذلك الى التعافي السريع لحزب الله وقواته، وتطويره الاعجازي لقدراته العسكرية، واستخدام مسيّرات متطورة جدا، علاوة على الإدارة الذكية للمعارك، وتكبيد العدو الاسرائيلي خسائر بشرية ومعداتية عسكرية ضخمة جدا، أدت الى تفريغ الشمال الفلسطيني المحتل كليا من المستوطنين.
الورقة الأخيرة التي باتت في يد أمريكا وإسرائيل للتصدي لهذا الصعود اللافت لحزب الله ومشروعه السياسي والعسكري، هي الورقة السورية، ومضاعفة الضغوط على الحكومة السورية الجديدة ورئيسها احمد الشرع للنزول الى الميدان ضد “حزب الله” والدخول في مواجهات عسكرية ضده، بعد الفشل في منع وصول الأسلحة المهربة اليه، وزيادة الثغرات توسعا وعدديا في الحدود المشتركة.
الإدارة الامريكية نجحت في تضليل السلطة السورية الجديدة التي بلعت طعم التهويل والتدليل وسياسة السجاد الأحمر، وزجاجات العطر الفارهة، ورفع جزء من عقوبات قيصر لتأكيد حسن النوايا المزيف، والآن تلوح بالضغط بما تبقى من العقوبات بعد تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في البلاد.
دخول القوات السورية التابعة للنظام الحاكم في دمشق الى الأراضي اللبنانية لنزع سلاح حزب الله جنبا الى جنب مع بعض قوات الجيش اللبناني بعد انقسامه المحتمل، والغطاء الأرضي والجوي الإسرائيلي، اذا نجحت هذه الضغوط في توريط الشرع وربعه، فإنها قد تكون بداية النهاية السريعة لهذا النظام، فاذا كانت إسرائيل التي انهزمت مرتين في لبنان على يد حزب الله وقواته منذ تأسيسه عام 1985، فهل ستنجح قوات الجولاني فيما فشلت فيه قوات لحد، والجيش الإسرائيلي؟
***
القيادة الايرانية الجديدة اختارت المواجهة العسكرية ومن موقع قوة، واعتمدت عقيدة الرد المباشر السريع، والسير على درب المجاهد الكبير عمر المختار، النصر او الشهادة، وتأديب رأسي الفتنة ترامب ونتنياهو، والانتصار للحلفاء وعدم التخلي عنهم، وافشال احد اهم الاسلحة الامريكية والإسرائيلية وهو سلاح المخابرات الاستعراضي الطابع، سواء في الداخل الإيراني او بنقل المعركة الى ارض العدو.
هذه الانتصارات الميدانية الجديدة سواء في مضيق هرمز او العمق الإيراني، وانضمام اليمن غير المفاجئ الى الرد العسكري وفي قلب يافا وايلات، والعودة الميمونة للعميد يحيى سريع جنبا الى جنب مع حزب الله، وانضمام قريب لفصائل كتائب المقاومة العراقية التي رفضت تسليم سلاحها مثل النجباء وكتائب “حزب الله العراق”، هذه الانتصارات والتطورات ستؤدي الى تغيير وجه المنطقة وإعادة رسم خرائطها العسكرية والسياسية والثقافية، وسطوع نجم الشرق الأوسط الجديد، او بالأحرى “غرب آسيا الجديد” لان التسمية الأولى استعمارية.. والأيام بيننا.
رأي اليوم