عبد الباري عطوان
اقدام مسيّرة اسرائيلية على اغتيال المجاهد أحمد غالب بلوط قائد قوة الرضوان الخاصة التابعة لحزب الله في هجوم على عمارة في الضاحية الجنوبية لبيروت اثناء ترؤسه اجتماعا سريا فيها يضم بعض مساعديه، جاء محاولة استعراضية يائسة للتغطية على الخسائر البشرية والسياسية التي لحقت بدولة الاحتلال الإسرائيلي سواء من جراء صواريخ ومسيّرات “حزب الله” التي لم تتوقف عن قصف اهداف استراتيجية إسرائيلية، وتدمير العديد من دبابات “الميركافا” والجرافات، وناقلات الجنود، وإلحاق خسائر بشربة ضخمة في الوقت نفسه.
هذه العودة القوية للمقاومة الإسلامية في لبنان، وحدوث تغييرات مفاجئة على الجبهة السياسية اللبنانية نتيجة لتطورات الازمة الإيرانية الامريكية، انعكست بحدوث “بعض الفتور” في الاندفاع الرسمي اللبناني نحو التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتراجع مذل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديداته بمحو إيران من الوجود وتجميده لـ”مشروع الحرية” الذي أطلقه لإشعال فتيل المواجهة مع ايران في مضيق هرمز، كلها عوامل مجتمعة أحدثت انقلابا يشمل الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة، ولبنان على رأسها.
***
نشرح أكثر ونقول ان هناك ثلاثة تطورات رئيسية، ونعتقد انها تنطوي على الكثير من الصحة، يمكن ان تقدم العديد من التفسيرات والاجابات على الكثير من الالغاز المتعلقة بأخر فصول العدوان الأمريكي الإسرائيلي على لبنان:
الأول: تأكيد تقرير اخباري مصور لمحطة “ان بي سي” الامريكية المشهورة بثته فجر اليوم الخميس قالت فيه “ان التراجع المفاجئ للرئيس دونالد ترامب عن المضي قدما في تنفيذ “مشروع الحرية” لإخراج السفن العالقة في مضيق هرمز (عددها 1600 سفينة وناقلة نفط) بالقوة، نتيجة قرار القيادة السعودية منع استخدام الجيش الأمريكي لقواعد المملكة العسكرية واجوائها، في أي هجوم على ايران في مضيق هرمز او غيره من مدنها واراضيها.
الثاني: تحرك القيادة السعودية التي تملك نفوذا كبيرا في لبنان بقوة لكبح جماح السلطات اللبنانية نحو التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتوقيع “اتفاق سلام” معها، وأكدت مصادر لبنانية ان هذا التحرك هو الذي أدى الى تأجيل، او تجميد اللقاء الذي كان متوقعا بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض خلال الأيام القليلة المقبلة، واكد هذا التجميد، وربما الإلغاء، تصريح مفاجئ للسيد نواف سلام رئيس الوزراء الذي قال ان الحديث عن هذا الاجتماع لا يزال سابقا لأوانه، وانه يتطلب تحضيرا كبيرا، ومن المعروف ان السيد سلام من اكثر المندفعين نحو هذا اللقاء، ومن أبرز المؤيدين لانعقاده في أسرع وقت ممكن، والتنسيق مع الجيش الإسرائيلي لنزع سلاح حزب الله.
ثالثا: المكالمة الهاتفية التي اجراها السيد عباس عراقجي وزير الخارجي الإيراني من العاصمة الصينية التي كان يزورها مع الامير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، وبعد اجتماع عراقجي مع القيادة الصينية، وذلك قبل أيام من وصول ترامب الى الصين، الامر الذي يوحي بأن هناك نتائج مهمة جرى التوصل اليها في هذه المباحثات تتعلق بالصراع والتوتر الإيراني الامريكي، كان إيصالها الى القيادة السعودية حتميا، مما يعكس وجود تنسيق سعودي إيراني مستمر في هذا الملف، وهناك مسألة إضافية فرعية غير مؤكدة تحدثت عنها بعض المصادر الإيرانية، تقول بأن السيد عراقجي نقل شكر قيادته وتقديرها للموقف السعودي الرافض لفتح الأجواء والقواعد السعودية لانطلاق العدوان على ايران لتنفيذ “مشروع الحرية” الترامبي.
ربما من السابق لأوانه الاندفاع والمبالغة في إصدار أي احكام تجاه هذه التطورات التي اذا تأكدت صحتها، لأهميتها وانعكاساتها على المنطقة، ونحن لا نستبعد حسب المثل الذي يقول “لا دخان بدون نار”، وما يجري على الأرض حاليا من أحداث في منطقة الخليج تحديدا، يؤكد عدم وجود سياسة متطابقة لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه العدوان الامريكي الإسرائيلي ضد ايران، والمملكة العربية السعودية تعرضت لضغوط كبيرة، إسرائيلية وامريكية، للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ولم ترضخ لها حتى الآن على الأقل.
هذه الاحتمالات واردة، أي إبقاء قنوات التواصل مع ايران، ومنع أمريكا من استخدام القواعد والأجواء السعودية في العدوان عليها (ايران)، ولا يغيب عن ذهننا كيف توجهت قيادة المملكة الى الصين، ووثقت علاقتها معها، بل ودعت الرئيس الصيني لزيارة الرياض، واحتفت بحضوره وأقامت له ثلاث قمم، الأولى ثنائية سعودية صينية، والثانية صينية خليجية، والثالثة عربية صينية كرد على الخلاف بينها (السعودية) وحكومة الرئيس بايدن الامريكية عندما كانت في السلطة، ولا ننس في هذه العجالة وقوف المملكة خلف إقامة منظمة (اوبك +) بالتنسيق مع الرئيس بوتين شخصيا ضد ضغوط أمريكا لزيادة الإنتاج لخفض أسعار النفط.
***
من أغلق مضيق هرمز الذي كان مفتوحا على مصراعيه لآلاف الأعوام، هو العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، واثبت هذا العدوان ليس فشل أمريكا وإسرائيل في تحقيق اي من اهدافهما، وأبرزها اسقاط النظام الإيراني وتجريده من أقوى أسلحته وهي الملف النووي والصناعة الصاروخية والمسيّراتية المتطورة، وانما عدم القدرة، وربما الرغبة، في حماية حلفائها ومحتضني قواعدها العسكرية في الخليج.
بإختصار شديد، نحن مع التقارب الإسلامي والإقليمي العربي الإيراني، وتوحيد الصفوف في وجه دولة الفتن والعدوان والهيمنة والتفتيت واغتصاب الأرض التي اسمها دولة الاحتلال الإسرائيلي، ونأمل ان يتطور الموقف السعودي، ومعظم الدول العربية في إتجاه مواجهتها والقضاء على احتلاله وفتنها، بما يؤدي الى أمن المنطقة واستقرارها، وهذا ليس طلبا مستحيلا، ونراه ممكنا وقريبا جدا.. والأيام بيننا.
رأي اليوم