You are currently viewing داخل “إمبراطورية الولاء”.. كيف وضع ترمب واشنطن في قبضة المقرّبين منه؟

داخل “إمبراطورية الولاء”.. كيف وضع ترمب واشنطن في قبضة المقرّبين منه؟

منذ لحظة تنصيبه في 20 يناير/ كانون الثاني 2025، بدا واضحًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يريد الاكتفاء بإعادة ترتيب البيت الأبيض من الداخل، إذ اتجه إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في واشنطن وفق معادلة تقوم على الولاء الشخصي، والقرب من الدائرة العائلية، والاستعداد لتنفيذ رؤيته من دون اصطدام كبير بمراكز القرار التقليدية.

هكذا، تحوّلت إدارة ترمب في ولايته الثانية إلى شبكة واسعة تضم أفرادًا من العائلة، ورجال أعمال، ومموّلين، وشخصيات إعلامية، ووجوهًا جاءت من خارج المؤسسات الكلاسيكية في واشنطن.

وتشير تقارير غربية، إلى أن تركيبة الإدارة الثانية لترمب تبدو لافتة بسبب الحضور الكثيف للمليارديرات، ومستشاري الحملات، ونجوم الإعلام، وشخصيات تدين بصعودها السياسي لعلاقتها المباشرة بالرئيس الأميركي أو بدعمها له خلال حملته الانتخابية.

ولا يقتصر الأمر على الأسماء وحدها، فالأهم هو ما تعكسه هذه التعيينات من تحوّل في طريقة إدارة السلطة. فترمب، الذي اشتكى طويلًا من “الدولة العميقة” والبيروقراطية المعطِّلة، عاد إلى البيت الأبيض وهو أكثر ميلًا إلى إحاطة نفسه بأشخاص يعتبرهم أوفياء لرؤيته، وقادرين على تحريك المؤسسات في الاتجاه الذي يريده.

هكذا، لم تعد واشنطن في عهد ترمب الثاني تُقرأ فقط من خلال الوزارات والهيئات الرسمية، إنما أيضًا من خلال الدائرة غير الرسمية المحيطة بالرئيس: من العائلة إلى المموّلين، ومن الشاشة إلى غرف القرار.

عائلة ترمب.. نفوذ من خارج المواقع الرسمية
لم تعد عائلة ترمب، كما في ولايته الأولى، مجرد سند سياسي يقف خلف الرئيس، فقد صارت جزءًا من بنية التأثير نفسها، حتى عندما لا يشغل بعض أفرادها أو المقرّبين منها مناصب رسمية.

واللافت أن نفوذ العائلة لا يمر دائمًا عبر المناصب الرسمية، بل عبر القرب المباشر من الرئيس، والقدرة على التأثير في ملفات حساسة من خلف الستار.

كوشنر وإيفانكا.. حضور غير رسمي لا يغيب
يُنظر إلى جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره السابق، بوصفه أحد أكثر الأسماء العائلية حضورًا في الذاكرة السياسية للولاية الأولى، خصوصًا في ملفات الشرق الأوسط والخليج.

فرغم أن كوشنر شغل منصب كبير مستشاري البيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى، ولعب دورًا محوريًا في قيادة مسار “اتفاقات أبراهام”. لم يعد إلى منصب رسمي في البيت الأبيض خلال الولاية الثانية.

إيفانكا ترمب وزوجها جاريد كوشنر
يُنظر إلى جاريد كوشنر بوصفه أحد أبرز الوجوه العائلية المؤثرة في ملفات الشرق الأوسط خلال عهد ترمب – غيتي
مع ذلك، عاد اسمه إلى الواجهة في أكثر من ملف شرق أوسطي، بوصفه مستشارًا غير معلن وقناة تواصل خلفية في بعض المسارات.

وبحسب رويترز، يُذكَر كوشنر داخل الدائرة المحيطة بترمب كأحد الأشخاص القادرين على ترتيب اتصالات سياسية واستراتيجية، من دون أن يكون جزءًا رسميًا من الهيكل الحكومي.

ويمنح هذا الوضع كوشنر موقعًا فريدًا: فهو ليس مسؤولًا رسميًا كامل الصلاحيات، وليس خارج دائرة التأثير تمامًا.

يتحرك جاريد كوشنر في المنطقة الرمادية التي يفضّلها ترمب، حيث تتداخل العلاقة العائلية مع النفوذ السياسي.
أما إيفانكا ترمب، ابنة الرئيس الأميركي وزوجة كوشنر، فقد ابتعدت عن الواجهة الرسمية مقارنة بسنوات الولاية الأولى. ومع ذلك، بقي اسمها حاضرًا داخل الحلقة العائلية التي تحيط بالرئيس، ولو من دون دور معلن في صناعة القرار اليومي.

كوشنر الأب ومسعد بولس.. العائلة تتمدد في الدبلوماسية
بعد عودته إلى البيت الأبيض، عيّن ترمب تشارلز كوشنر، والد جاريد كوشنر، سفيرًا للولايات المتحدة في فرنسا. وقد أثار التعيين انتقادات واسعة بسبب خلفية كوشنر القانونية السابقة، إذ أُدين عام 2005 في قضايا شملت التهرب الضريبي والتلاعب بالشهود، قبل أن يصدر ترمب عفوًا عنه عام 2020.

ومع أن منصب السفير في فرنسا يعد من المواقع الدبلوماسية الرفيعة، فإن اختيار تشارلز كوشنر أعاد تسليط الضوء على نزعة ترمب إلى منح مواقع حساسة لأشخاص يرتبطون به عائليًا أو سياسيًا، حتى عندما لا يأتون من السلك الدبلوماسي التقليدي.

وفي السياق نفسه، برز اسم مسعد بولس، رجل الأعمال اللبناني-الأميركي ووالد مايكل بولس، زوج تيفاني ترمب. فقد اختاره ترمب مستشارًا رفيعًا للشؤون العربية والشرق أوسطية، في خطوة عكست مرة أخرى حضور الروابط العائلية داخل هندسة الإدارة الجديدة.

قبل هذا الدور، كان بولس معروفًا بعلاقاته في قطاعَي الطاقة والبناء في إفريقيا، وبنشاطه ضمن الدوائر العربية والأميركية المؤيدة لترمب خلال الحملة الانتخابية. وبعد عودة ترمب، صار اسمه مرتبطًا بملفات التواصل مع النخب السياسية والمالية في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وشرق المتوسط.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق أوسطية
اختار ترمب مسعد بولس مستشارًا للشؤون العربية والشرق أوسطية بعد دور بارز في التواصل مع ناخبين عرب خلال الحمل – غيتي
رجال الأعمال.. حين تتحول المحفظة إلى مؤهل سياسي
في محيط ترمب، يحضر رجال الأعمال لا بوصفهم داعمين من الخارج فقط، إذ انتقل بعضهم إلى مواقع تنفيذية داخل الإدارة. وقد أعاد هذا المسار طرح سؤال قديم في السياسة الأميركية: أين ينتهي التمويل السياسي، وأين تبدأ المكافأة بالموقع والنفوذ؟

كثير من رجال الأعمال الذين دعموا ترمب أو شاركوا في تمويل حملته وجدوا لأنفسهم مكانًا داخل إدارته الثانية، في مشهد يراه مؤيدوه تعبيرًا عن رغبة الرئيس في إدخال “عقلية القطاع الخاص” إلى الحكومة، بينما يراه منتقدوه توسعًا في منطق المحسوبية وتضارب المصالح.

لوتنيك وبيسنت.. المال في قلب القرار الاقتصادي
يعد هوارد لوتنيك، رجل الأعمال والرئيس التنفيذي السابق لشركة “كانتور فيتزجيرالد”، من أبرز الوجوه الاقتصادية في إدارة ترمب. فقد اختاره الرئيس الأميركي وزيرًا للتجارة، ليكون في قلب السياسة التجارية والرسوم الجمركية التي جعلها ترمب عنوانًا أساسيًا في ولايته الثانية.

ووُصف لوتنيك بأنه من مهندسي التوجهات التجارية الجديدة التي تقوم على تشديد الرسوم، والضغط على الواردات، وتعزيز السياسات الحمائية، خصوصًا في مواجهة الصين.

وزيرا التجارة والخزانة الأميركيين هوارد لوتينك وسكوت بيسنت
منح ترمب عددًا من رجال الأعمال مواقع مركزية في رسم السياسات الاقتصادية لإدارته الثانية – غيتي

ووصفته الصحيفة بأنه “مهندس موجة الرسوم الجمركية الجديدة”، كما ربطت بين اسمه وبين خطة ترمب لرفع الرسوم على الواردات الصينية، وتعزيز سياسة الحماية التجارية.

أما سكوت بيسنت، مدير صندوق التحوط ومؤسس مجموعة “كي سكوير”، فقد عيّنه ترمب وزيرًا للخزانة. ويُنظر إلى بيسنت بوصفه أحد الوجوه التي تربط الإدارة بالأسواق المالية، وبالسياسات الضريبية التي تسعى إلى إعادة تشكيل علاقة الدولة بقطاع الأعمال.

وبين لوتنيك وبيسنت، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تمنح رجال المال موقعًا مركزيًا في رسم السياسات الاقتصادية، لا في تمويل السياسة فقط.

ماسك.. من الدعم الانتخابي إلى كفاءة الحكومة
ومن بين رجال الأعمال الأكثر حضورًا في محيط ترمب، يبرز أيضًا إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، بوصفه أحد أبرز الداعمين لحملته الانتخابية. ولم يحصل ماسك على منصب وزاري تقليدي، لكنه تولى دورًا مركزيًا في مشروع “إدارة كفاءة الحكومة” المعروف اختصارًا بـDOGE.

هدف المشروع، وفق خطاب ترمب، إلى تقليص الهدر داخل المؤسسات الفدرالية، وخفض النفقات، وإعادة ترتيب الجهاز الإداري. لكن تجربة ماسك داخل الإدارة أثارت جدلًا واسعًا بسبب أسلوبها الصدامي، وموجات خفض الوظائف، والانتقادات التي طالت أثرها على الخدمات العامة.

ولم تدم العلاقة الإدارية طويلًا. فقد غادر ماسك موقعه بعد أشهر من العمل، وسط خلافات مع ترمب وإدارته، امتدت لاحقًا إلى الفضاء العام ومواقع التواصل الاجتماعي. ومع خروجه، بقي مشروع “كفاءة الحكومة” مثالًا صارخًا على الطريقة التي أدخل بها ترمب رجال الأعمال إلى قلب الدولة.

شخصيات إعلامية من الشاشة إلى قلب القرار
لم يكتف ترمب برجال الأعمال وأفراد العائلة، إذ منح شخصيات إعلامية بارزة أدوارًا سياسية وإدارية حساسة. وتبدو هذه النزعة متصلة بعلاقته الطويلة بالتلفزيون، وباقتناعه بأن القدرة على مخاطبة الجمهور والدفاع عن خطابه السياسي تمثلان نوعًا من الكفاءة.

وتؤكد “بي بي سي” وغيرها من المؤسسات الغربية أن ترمب اعتمد على وجوه إعلامية قريبة منه، خصوصًا من بيئة “فوكس نيوز” والإعلام المحافظ، في قطاعات حساسة مثل الدفاع والاتصال السياسي.

بيت هيغسيث.. من “فوكس نيوز” إلى وزارة الدفاع
يشغل بيت هيغسيث منصب وزير الحرب الأميركي، في إدارة ترمب الثانية، بعد مسار طويل كمذيع وشخصية محافظة على قناة “فوكس نيوز”. وقد أثار ترشيحه وتثبيته جدلًا واسعًا بسبب محدودية خبرته الإدارية في قيادة مؤسسة بحجم البنتاغون، وبسبب مواقفه السياسية والعسكرية الحادة.

ورغم الاعتراضات التي واجهها في مجلس الشيوخ، دافع ترمب عن اختياره، معتبرًا أن هيغسيث يمثل صوتًا مباشرًا للقاعدة المحافظة، وأنه قادر على إعادة توجيه وزارة الدفاع وفق رؤية أكثر انسجامًا مع شعارات “أميركا أولًا”.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث
يعكس اختيار هيغسيث، أكثر من غيره، رغبة ترمب في نقل شخصيات إعلامية موالية من موقع التعليق على القرار إلى موقع صناعته – غيتي
كارولاين ليفيت.. صوت البيت الأبيض الشاب
من حقل الإعلام والاتصال السياسي، ظهر اسم كارولاين ليفيت،، التي عملت ضمن حملة ترمب الانتخابية، قبل أن يختارها متحدثة باسم البيت الأبيض في ولايته الثانية.

وتعد ليفيت أصغر من تولى منصب المتحدث باسم البيت الأبيض في التاريخ الأميركي، وهو ما جعلها جزءًا من صورة الإدارة الجديدة التي تمزج بين الولاء السياسي، والخبرة الإعلامية، والقدرة على مخاطبة القاعدة الجمهورية بلغة مباشرة.

ولا تكمن أهمية ليفيت في سنّها فقط، إنما في موقعها داخل جهاز اتصالي يسعى إلى تجاوز الإعلام التقليدي، وفتح المجال أكثر أمام المنصات المحافظة، والمؤثرين، ووسائل الإعلام القريبة من ترمب.

أبرز الأسماء في دائرة ترمب
الاسم الموقع/الدور الدلالة
جاريد كوشنر مستشار غير رسمي في ملفات شرق أوسطية نفوذ عائلي من خارج المنصب
تشارلز كوشنر سفير الولايات المتحدة في فرنسا تمدد العائلة في الدبلوماسية
مسعد بولس مستشار للشؤون العربية والشرق أوسطية تقاطع العائلة والملف الإقليمي
هوارد لوتنيك وزير التجارة رجال الأعمال في القرار الاقتصادي
سكوت بيسنت وزير الخزانة المال والأسواق داخل الإدارة
بيت هيغسيث وزير الدفاع انتقال الإعلام المحافظ إلى السلطة
كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض الإعلام السياسي في قلب الرسالة

ثورة على البيروقراطية أم إضعاف للمؤسسات؟
في خضم هذه التعيينات، يقف مؤيدو ترمب عند فكرة أساسية: الرئيس، في نظرهم، لا يوزع المناصب على المقرّبين، إنما يحاول كسر بيروقراطية واشنطن التي عرقلت ولايته الأولى، والاستعانة بأشخاص يثق بأنهم سينفذون برنامجه بلا تردد.

لكن منتقدي هذا النهج يرون صورة مختلفة. فحين يتقدم الولاء الشخصي على الخبرة، وحين تصبح الروابط العائلية والمالية والإعلامية مدخلًا إلى القرار، يصبح الخطر في أن تتحول الدولة إلى دائرة موسعة من القرب من الرئيس، لا إلى مؤسسات مستقلة تعمل وفق ضوابط واضحة.

وتبدو إدارة ترمب الثانية، بهذا المعنى، اختبارًا حقيقيًا لفكرة الحكم في الولايات المتحدة. فهي تقدم نموذجًا يقوم على السرعة، والولاء، والصدام مع البيروقراطية، لكنه يثير في المقابل أسئلة عميقة حول التوازنات، والمساءلة، وحدود النفوذ العائلي والمالي داخل السلطة.

في النهاية، لا تكشف “إمبراطورية الولاء” عن أسماء المقرّبين من ترمب وحدهم، إذ تكشف أيضًا عن الطريقة التي يريد بها الرئيس الأميركي إدارة واشنطن: دائرة ضيقة، قرار سريع، ثقة شخصية، ومؤسسات تُدفع كي تتحرك وفق إيقاع رجل واحد.

المصادر
موقع التلفزيون العربي

موقع التلفزيون العربي

داخل “إمبراطورية الولاء”.. كيف وضع ترمب واشنطن في قبضة المقرّبين منه؟ | التلفزيون العربي

 

شارك المقالة