في خطوة منتظرة، قدمت إيران مقترحا جديدا للمفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسطاء الباكستانيين، وسط تعثر في المساعي الرامية لعقد جولة ثانية من المفاوضات المباشرة في باكستان.
يقوم المقترح الجديد على فصل الملفات: إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أولا، وتأجيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة وفق ما ذكر موقع أكسيوس الأمريكي.
لكن هل تقبل واشنطن هذا الفصل؟ وما الذي يميز هذا المقترح عن سابقيه؟ ولماذا تصر أمريكا على ربط كل شيء بالملف النووي؟
ما هو المقترح الإيراني الجديد؟
كشف موقع أكسيوس -نقلا عن مسؤول أمريكي ومصادر مطلعة- أن إيران قدمت عبر الوسطاء الباكستانيين مقترحا جديدا يهدف إلى التوصل إلى اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، مع تأجيل المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة.
وبحسب المصادر، فإن الطرح الجديد نوقش أثناء زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، ويركز على معالجة أزمة مضيق هرمز والحصار الأمريكي البحري باعتبارها أولوية.
وتضيف المصادر أن المقترح يشير إلى إمكانية تمديد وقف إطلاق النار فترة طويلة، أو التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب، على أن تبدأ المفاوضات النووية في مرحلة لاحقة بعد إعادة فتح المضيق ورفع الحصار.
وفي تصريحات لقناة الجزيرة، فصّل الدكتور حسين رويوران -الباحث المختص في القضايا الإقليمية من طهران- الخطة الإيرانية بقوله إنها “تتألف من ثلاث مراحل وتأتي من رحم التفاوض في إسلام آباد”:
المرحلة الأولى: حسم موضوع الحرب وإنهاء العدوان بشكل نهائي وليس تمديد وقف إطلاق النار فقط.
المرحلة الثانية: فتح مضيق هرمز كما تريد أمريكا كأولوية وحسمه.
المرحلة الثالثة: الموضوع النووي، وأوضح رويوران أن “إيران قالت إنه يمكن التخلص من اليورانيوم 60% من خلال تحويله إلى 20% لاستعماله في الاستشفاء”.
إعلان
ولفت إلى أن “كل هذه الخطوات الثلاث لها ما يقابلها من الجانب الإيراني مثل رفع العقوبات عن إيران والغرامات (التعويضات) التي تطالب بها إيران، والأموال الإيرانية المجمدة منذ بداية الثورة الإسلامية”.
بمَ يختلف هذا المقترح عن السابق؟
الاختلاف الجوهري يكمن في فصل الملفات وترتيب الأولويات.
فبينما كانت المقترحات السابقة تربط كل شيء بالملف النووي -كما تصر واشنطن- فإن المقترح الجديد يقول: لنحل أزمة المضيق أولا، ثم نتحدث عن النووي لاحقا.
ووفق أكسيوس، فإن عراقجي أوضح للوسطاء أنه “لا يوجد إجماع داخل القيادة الإيرانية بشأن مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتعلقة باليورانيوم المخصب”، مؤكدا أن المقترح يهدف إلى تخطي هذه الانقسامات الداخلية.
ولم يصدر من الجانب الإيراني ما ينفي أو يؤكد تقديم هذا المقترح، لكن وكالة مهر نقلت عن عراقجي أن المطالب الأمريكية المفرطة تسببت في فشل المفاوضات في تحقيق أهدافها، وأن باكستان لعبت دورا مهما في الوساطة ضمن المفاوضات الإيرانية الأمريكية، ولذلك “كان التشاور واستعراض الوضع الراهن مع أصدقائنا في باكستان”، على حد وصفه.
الموقف الأمريكي: “اليورانيوم أولا”
ووفق أكسيوس، فإن الوسطاء الباكستانيين قدموا المقترح الإيراني إلى البيت الأبيض، لكن “من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لدراسته”.
وذكر أكسيوس أن ترمب يعقد اليوم الاثنين اجتماعا طارئا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لبحث العرض الإيراني الجديد وخيارات الحرب.
وقالت متحدثة باسم البيت الأبيض إن هذه المداولات تندرج ضمن “مناقشات دبلوماسية حساسة”، مؤكدة أن الولايات المتحدة “لا تتفاوض عبر وسائل الإعلام”.
وأضافت أن الرئيس ترمب شدد على أن “القرار النهائي بيد واشنطن”، وأن “أي اتفاق لن يُبرم إلا بما يخدم مصلحة الشعب الأمريكي أولا”، مجددة التأكيد على أن الولايات المتحدة “لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”.
وعلى شاشة الجزيرة، أكد أدولفو فرانكو، المحلل الإستراتيجي في الحزب الجمهوري، من واشنطن، أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، موضحا أن “ما هو واضح في الوقت الحالي أن كل الأمور والقضايا مرتبطة بموضوع اليورانيوم الذي تملكه إيران، وكل القضايا الأخرى -سواء إعادة فتح مضيق هرمز أو رفع العقوبات- هي جزء من المفاوضات، ولكن كل ذلك مرتبط بموضوع اليورانيوم”.
هل تقبل أمريكا تأجيل المحادثات النووية؟
رأى فرانكو أن “موقفي البلدين بعيدان عن بعضهما حتى الآن”، لافتا إلى أن “كل الأمور الأخرى سهلة ويمكن التعامل معها وحلها إذا ما تم حل العقدة الأساسية التي أدت إلى نشوب هذه الحرب (الملف النووي)”.
وأضاف: “نعم قد تفضي المفاوضات إلى اتفاق شامل جامع، ولكن لا يمكن أن نذهب إلى القاعدة الثانية قبل أن نتجاوز القاعدة الأولى، كما في لعبة كرة المضرب”.
وبشأن إمكانية تمديد وقف إطلاق النار، قال فرانكو: “أعتقد أن الولايات المتحدة ستكون منفتحة على تمديد وقف إطلاق النار، ولكن ليس بشكل أزلي”، معللا ذلك بسببين، الأول هو مواصلة إيران تخصيب اليورانيوم، والثاني أن “تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى سيمكن إيران من إعادة بناء قواتها ما يمكنها من ضرب أهداف أبعد” على حد قوله.
وأكد الدكتور محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط، أن “الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حين أوقف التزام أمريكا بالاتفاق النووي مع إيران عام 2018 كان سبب ذلك وجود ما يصفه بـ”اتفاق سيء”، موضحا أن “جوهر ما يفكر به ترمب هو اتفاق آخر لكن مع تفاصيل أقل بالبرنامج النووي”.
ويبدو أن ملف البرنامج الصاروخي الإيراني تراجع في سلم الأولويات الأمريكية، وهذا ما يوضحه الزويري بأن “هناك سببين لتراجع أمريكا وإسرائيل عن طلب تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني”:
الأول: “أن أمريكا وإسرائيل قالتا إنهما دمرتا مئات من قواعد الصواريخ، وبالتالي سيضربون صدقيتهم في النصر إذا أبقوا الملف على طاولة المفاوضات”.
الثاني: “أن إيران قالت إنه غير خاضع للتفاوض”.
ما هي المطالب الإيرانية؟
بحسب رويوران، فإن كل مطلب أمريكي له ما يقابله من الجانب الإيراني، وتشمل قائمة المطالب الإيرانية، رفع العقوبات عن إيران، وكذلك الغرامات (التعويضات) التي تطالب بها إيران جراء الحرب عليها، وثالثا الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة منذ بداية الثورة الإسلامية.دور الوسطاء
استضافت باكستان يوم 11 أبريل/نيسان جولة محادثات بين الطرفين لم تفضِ إلى اتفاق، ثم أعلن الرئيس الأمريكي بعدها تمديد الهدنة مع إيران بناء على طلب باكستان “إلى حين تقديم طهران مقترحها”، دون تحديد مدة لذلك.
ويبدو أن الوساطة العمانية التقليدية تعود إلى الواجهة أيضا، إذ استقبل سلطان عُمان هيثم بن طارق، وزير الخارجية الإيراني وبحث معه التطورات وسبل حل الأزمة، وهو ما يشير إلى أن دور مسقط المتوقع في المرحلة المقبلة “جوهري”، خاصة فيما يتعلق بملف مضيق هرمز وفق مراسل الجزيرة بسلطنة عُمان سمير النمري.
وأشار النمري إلى أن سلطنة عُمان “لعبت دور القناة الرئيسية للمفاوضات بين واشنطن وطهران على مدى نحو 16 عاما، سواء في الملف النووي الذي أفضى إلى اتفاق عام 2015 أو في ملفات تبادل المحتجزين والأموال المجمدة”.
نظرة مستقبلية
لا يعرف حتى الآن كيف ستتصرف واشنطن مع المقترح الإيراني الجديد، ولكن مراقبين يرون أنه يواجه عقبات جوهرية، أبرزها إصرار واشنطن على ربط كل شيء بالملف النووي.
فبينما تريد إيران -وفقا للمقترح الجديد- فصل الملفات وحل أزمة المضيق أولا، تصر أمريكا على أن اليورانيوم هو المفتاح.
ولذا يبقى السؤال الأهم: أيهما أولا، ملف اليورانيوم المخصب كما تقول واشنطن، أم مضيق هرمز كما ترى إيران؟ وبين هاتين القضيتين تدور رحى المفاوضات.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأميركية
المضيق أولا والنووي لاحقا.. ماذا يكشف المقترح الإيراني الجديد؟ | أخبار | الجزيرة نت