تخيّل أن تستيقظ في صباح أحد أيام عام 2026، وتبدأ روتينك المعتاد: تتفقد هاتفك، تستعد للعمل، وتخطط ليومك كأي يوم عادي. ثم، خلال لحظات، تصطدم بحقيقة غير متوقعة: اسمك ورد ضمن قرار رسمي بسحب الجنسية.
مشهد صادم ينقل الإنسان من وضع قانوني مستقر إلى حالة جديدة تفرض عليه إعادة تعريف موقعه القانوني والاجتماعي. وفجأة، تتحول الأسئلة اليومية المرتبطة بالعمل والتعليم والوثائق إلى قضايا مفتوحة على احتمالات معقدة.
قد يبدو هذا التحول فرديًا في ظاهره، لكنه لا يأتي من فراغ. ففي الكويت، تمضي الدولة منذ فترة في مراجعة شاملة لملفات الجنسية، ضمن ما تصفه بـ”تصحيح المسار القانوني”.
هنا تتقاطع الحكاية الشخصية مع السياسة العامة، لتكشف عن ملف معقد يسير بين صدمة فردية ومسار إجرائي رسمي، يهدف، بحسب رواية الدولة، إلى حماية نظامها القانوني وهويتها الوطنية.
هكذا، بدأ سحب الجنسية الكويتية يفتح بابًا واسعًا من الجدل لا يتعلق بحالة واحدة فقط، وإنما بسؤال أوسع عن معنى المواطنة وحدودها.
مراجعة غير مسبوقة لملفات تمتد لعقود
منذ مطلع مارس/ آذار 2024، تشهد الكويت تحوّلًا غير مسبوق في إدارة ملف الجنسية، فبعد أشهر معدودة من وصول الأمير مشعل الصباح إلى الحكم في ديسمبر/ كانون الأول 2023، أعلنت الحكومة الكويتية حينها عن 3 قرارات بسحب الجنسية، طاولت 11 مواطنًا بينهم 8 نساء.
ولم يقتصر الأمر على مراجعات قانونية محدودة، إذ أصبح مسارًا شاملًا ومنهجيًا تسعى الدولة من خلاله إلى إعادة ضبط أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في تاريخها الحديث، في وقت يرى فيه مراقبون أن ما يجري يتجاوز الإطار القانوني إلى أبعاد سياسية واجتماعية أيضًا.
وشملت المراجعة الواسعة آلاف الحالات التي تعود، في بعض الأحيان، إلى أكثر من ستة عقود. كما طاولت الإجراءات عشرات الآلاف منذ عام 2024، ضمن حملة تهدف إلى معالجة حالات التزوير أو الحصول على الجنسية بطرق غير قانونية، وفق ما أورده موقع “العربي الجديد”.
واعتُبرت المراسيم التي صدرت مؤخرًا في أبريل/ نيسان 2026 من أبرز موجات سحب الجنسية في الكويت، إذ شملت أكثر من 2300 حالة دفعة واحدة، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز.
ويعكس ذلك حجم التحول في التعامل مع هذا الملف، فهو يشير إلى أن الدولة لم تعد تتعامل مع الحالات بوصفها ملفات فردية، وإنما ضمن رؤية شاملة لإعادة تدقيق بنية المواطنة القانونية.
مظاهرة لأشخاص بدون جنسية في الكويت
تداخلت في أزمة الجنسية في الكويت عوامل عدة تمتد لعقود سابقة – غيتي / أرشيفية
الإطار القانوني لسحب الجنسية الكويتية
ترتكز حالات سحب الجنسية أو إسقاطها في البلد الخليجي إلى قانون الجنسية الكويتي الصادر بالمرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959. ويمكن سحب الجنسية في حالات عدة، منها:
الحصول على الجنسية عبر الغش أو التزوير (المادة 21 مكرر).
ازدواج الجنسية (المادة 11).
ارتكاب جرائم تمس الأمن أو الشرف.
ما يُعرف بـ”المصلحة العليا للدولة”.
تعديلات لـ”تحقيق التوازن”
في 13 أبريل الجاري، طرأت على قانون الجنسية الكويتي تعديلات بموجب مرسوم أميري نُشر في الجريدة الرسمية الكويتية.
وتهدف التعديلات إلى تحديث الإطار التشريعي المنظم للجنسية الكويتية “بما يحقق التوازن بين حماية النسيج الوطني ومراعاة الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية وضمان ممارسة الدولة لصلاحياتها السيادية في منح وفقد وسحب وإسقاط الجنسية ضمن حدود واضحة وضوابط قانونية رصينة”.
وتضمّن مرسوم التعديل استبدال مواد أساسية في القانون، وتعديل بعض العبارات التي لم تعد تتفق مع التنظيم الحالي، وإلغاء بعض النصوص التي لم تعد هناك حاجة إليها.
أبرز ما تضمّنه القانون الجديد
الكويتيون أساسًا هم المتوطنون في الكويت قبل سنة 1920، وكانوا محافظين على إقامتهم العادية فيها حتى 14 ديسمبر/ كانون الأول 1959، وتُعد إقامة الأصول مكملة لإقامة الفروع.
يكون كويتيًا بصفة أصلية كل من وُلد في الكويت أو في الخارج لأب كويتي بالتأسيس.
لا يترتب على كسب الأجنبي الجنسية الكويتية أن تصبح زوجته الأجنبية كويتية.
يُعد أولاده القُصّر كويتيين بالتجنس، ولهم اختيار جنسيتهم خلال السنة التالية لبلوغهم سن الرشد.
أولاد المتجنس الذين يولدون بعد كسبه الجنسية الكويتية يُعدّون كويتيين بالتجنس.
على كل من تجنس بالجنسية الكويتية التنازل عن جنسيته الأجنبية خلال 3 أشهر، وأن يقدم ما يثبت ذلك، وإلا اعتُبر منح الجنسية كأن لم يكن من تاريخ تجنسه.
جواز استخدام الوسائل العلمية، بما فيها البصمة الوراثية والبصمة البيومترية، في فقد الجنسية أو سحبها أو إسقاطها.
ويُميز القانون بين “سحب الجنسية” الذي يطال عادة المجنّسين، وإسقاط الجنسية” الذي قد يشمل حالات أوسع. غير أن الجدل الأكبر يدور بشأن بند “المصلحة العليا”، الذي يمنح السلطة التنفيذية هامشًا واسعًا في التقدير.
يثير هذا البند -رغم أهميته السيادية- مخاوف لدى بعض المنظمات الحقوقية بسبب طبيعته العامة وقابليته للتأويل، ومن بين هذه المنظمات “هيومن رايتس ووتش”.
جذور أزمة الجنسية الكويتية
تعود جذور أزمة الجنسية في الكويت إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة، حيث تداخلت ملفات عدة، أبرزها:
قضية “البدون”
التجنيس في فترات مختلفة
بند “الأعمال الجليلة”
وقد تحدثت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن أن هذا التداخل أدى إلى ما يوصف بـ”سيولة المواطنة”، وهي الحالة التي سمحت بوجود ثغرات استُغلت لاحقًا، ويجري اليوم معالجتها بشكل أكثر صرامة.
كيف ساهمت “البصمة البيومترية” في كشف التزوير؟
يُعد التحول التكنولوجي الذي اعتمدته الكويت، وخصوصًا مشروع “البصمة البيومترية”، أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تسريع وتيرة سحب الجنسية.
ووفقًا لتقارير وكالة الأنباء الكويتية “كونا” لعامي 2025 و2026، لعب هذا المشروع دورًا حاسمًا في كشف آلاف حالات التزوير والازدواج.
البصمة البيومترية
وتشير الوكالة ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية “إنتربول” إلى أن الربط بين قواعد البيانات المحلية والدولية مكّن السلطات من مطابقة البصمات البيومترية والوراثية لأشخاص يحملون هويات متعددة، وهو ما قاد إلى كشف حالات لم يكن من السهل رصدها سابقًا.
وأدى هذا التطور إلى تحويل ملف الجنسية إلى مسار أكثر اعتمادًا على الأدلة التقنية، كما قلّص هامش الخطأ أو التلاعب.
أثر التبعية وإشكالية التقاضي
من أكثر الجوانب تعقيدًا في ملف سحب الجنسية الكويتية ما يُعرف بـ”أثر التبعية”، إذ لا يقتصر سحب الجنسية على رب الأسرة فقط، وإنما تمتد آثاره القانونية تلقائيًا إلى الأبناء والزوجة، ما قد يتسبب في فقدان عائلات بأكملها وضعها القانوني كمواطنين.
ويذكر موقع “العربي الجديد” أن هذا التحول قد ينقل أفرادًا نشأوا ككويتيين إلى فئة “غير محددي الجنسية” في لحظة واحدة، مع ما يترتب على ذلك من فقدان الحقوق الأساسية، مثل العمل والتعليم والرعاية الصحية.
مواطن بجواز سفر كويتي
وقد يتطلب هذا الجانب معالجة إنسانية موازية، لضمان عدم تحميل الأجيال اللاحقة تبعات أخطاء لم ترتكبها.
كما يثير ملف الجنسية في الكويت تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بإمكانية الطعن في قرارات سحب الجنسية.
بعد تعديلات دستورية.. سحب الجنسية من نوال “الكويتية” وداوود حسين
وقد تطرقت وكالة فرانس برس إلى أن القضاء الكويتي يُصنف هذه القرارات ضمن “أعمال السيادة”، ما يحد من إمكانية مراجعتها قضائيًا.
وتدعو منظمة العفو الدولية (آمنستي) إلى ضرورة إتاحة حق التقاضي في مثل هذه القضايا، لضمان وجود آلية قانونية تتيح مراجعة القرارات في حال وقوع أخطاء.
بين الاقتصاد والسيادة والحقوق
إلى جانب الأبعاد القانونية والأمنية، يبرز العامل الاقتصادي بوصفه وجهًا آخر مهمًا لموجة سحب الجنسية في الكويت. فوفقًا لوكالة “بلومبرغ”، تسعى الدولة إلى تقليل الضغط على ميزانيتها العامة، في ظل نظام دعم واسع يشمل الإسكان والرعاية والخدمات الاجتماعية.
ويعني سحب الجنسية من غير المستحقين، بحسب هذا الطرح، تقليل عدد المستفيدين من هذه الخدمات، ما يساهم في تحقيق وفرة مالية كبيرة على المدى الطويل، ويجعل الملف جزءًا من استراتيجية الاستدامة الاقتصادية.
وفي قلب هذا الجدل يبرز سؤال أساسي:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين حق الدولة في حماية سيادتها وحق الأفراد في الاستقرار القانوني والإنساني؟
ويرى البعض أن ما يجري هو “تصحيح ضروري” لحماية كيان الدولة، فيما يرى آخرون أن الملف يتطلب ضمانات أكبر، خاصة في ما يتعلق بالشفافية وإمكانية الطعن القضائي.
لا تبدو قضية سحب الجنسية في الكويت مجرد إجراء إداري، فهي تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة ملف شديد الحساسية. ومع سعي السلطات إلى إعادة ضبط مفهوم المواطنة، يبقى التحدي في تحقيق توازن دقيق بين الحزم القانوني والاعتبارات الإنسانية.
المصادر
موقع التلفزيون العربي
أعادت تعريف المواطنة.. ماذا نعرف عن سحب الجنسية في الكويت؟ | التلفزيون العربي