أخيرا سمحت إيران -أو في طريقها لذلك- لسفن 3 دول فقط هي الهند والعراق وتركيا، بعبور مضيق هرمز، دون غيرها، وذلك بالتزامن مع مساع أمريكية لكسر الحصار الذي تفرضه إيران على المضيق.
ورغم أن إيران لم تؤكد حتى الآن موافقتها على عبور سفن تركية وعراقية، فإن تصريحات عراقية ومصادر لوكالة بلومبيرغ أكدت ذلك.
وتثير خطوة “الاستثناءات الدبلوماسية” التي قدمت -أو ستقدم عليها إيران- تساؤلات بشأن الدوافع الإستراتيجية لها، في ظل حالة التوتر المتصاعد، والقلق الذي يهدد أسواق الطاقة والملاحة البحرية.
فماذا عن الوضع الحالي في المضيق، ولماذا لجأت إيران إلى هذه الخطوة؟
ما مضيق هرمز؟
طريق ملاحي ضيق في منطقة الخليج، يشكل ممرا مائيا يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان، ويتميز بأهمية إستراتيجية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي، باعتباره المنفذ البحري الوحيد للخليج العربي إلى المياه المفتوحة والعالم.
ويمثل المضيق نقطة عبور رئيسية ضمن أحد أهم الممرات الملاحية الحيوية في العالم، ويُعدّ أحد الشرايين الأساسية للتجارة الدولية، إذ يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية.
كما يشكّل ركيزة محورية لأمن الطاقة العالمي، إذ يستوعب عبور أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميا، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وذلك وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عام 2024 والربع الأول من عام 2025.
ماذا عن الوضع حاليا في المضيق؟
سارعت إيران بعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز ومنع السفن من العبور من خلاله، ونتيجة لحالة الإغلاق “شبه التام” للمضيق من قِبَل القوات الإيرانية، فقد تحوّل إلى بؤرة لأزمة طاقة عالمية.
إعلان
وهاجمت القوات الإيرانية سفنا في الممر الضيق بين إيران وسلطنة عُمان، مما أدى إلى توقف خُمس إمدادات النفط العالمية في أكبر انقطاع على الإطلاق، كما أوردت وكالة رويترز.
ونتيجة لذلك ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسبوعين الماضيين، وقاربت في أعلى حالات الارتفاع سعر 120 دولارا للبرميل قبل أن تتراجع إلى حدود 100 دولار للبرميل.
ما الدول التي سُمح لسفنها بالعبور؟
بطبيعة الحال تواصل السفن الإيرانية عبور المضيق بشكل طبيعي، كما قررت إيران كسر الحصار الذي فرضته على المضيق، ولكن بشكل “انتقائي”، حيث سمحت لسفن وناقلات 3 دول بعبور المضيق.
ويجري الحديث هنا عن الهند والعراق وتركيا.
فقد عبرت سفينتان ترفعان علم الهند وتنقلان غاز النفط المسال مضيق هرمز السبت الماضي، واتجهتا إلى موانئ تقع في غرب الهند، وهو الأمر الذي أتيح بعد جهود دبلوماسية.
وقد وصف وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار المحادثات المباشرة مع إيران بأنها أكثر السبل فعالية لمعاودة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز، وفق صحيفة فايننشال تايمز.
وقال جايشانكار -في مقابلة مع الصحيفة البريطانية يوم الاثنين- “أنا حاليا في خضم محادثات معهم، وأفضت هذه المحادثات إلى نتائج”.
كما نقلت وكالة بلومبيرغ عن مسؤولين من الهند وتركيا تأكيدهم تلقي موافقة من إيران على مرور سفن تابعة لبلديهم، عبر مضيق هرمز، في خطوة قالت الوكالة إنها قد تسهم في تهدئة المخاوف المتزايدة بشأن أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وضمن السياق ذاته، نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية اليوم الثلاثاء عن وزير النفط قوله إن بغداد على اتصال مع إيران للسماح بمرور بعض ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في إطار مساعيها لتخفيف وطأة تعطُّل صادرات الخام عقب أحدث الهجمات على ناقلات نفط في المياه الإقليمية العراقية.
وقال الوزير حيان عبد الغني لقناة “الشرقية” التلفزيونية، مساء الاثنين، “هناك تواصل مع الجهات المختصة” في إيران “حول السماح لبعض الناقلات بالمرور من مضيق هرمز، لكي نتمكّن من استئناف التصدير”.
وأشار إلى أن ذلك يستلزم إبلاغ الجانب الإيراني “بطبيعة الناقلات وأسمائها ولمن تعود ملكيتها”.
ما عدد السفن التي عبرت حتى الآن؟
ما هو معروف حتى الآن أن إيران سمحت لسفينتين ترفعان العَلَم الهندي بالعبور، في حين لم تكشف المصادر عن عدد السفن التركية أو العراقية التي سيسمح لها بعبور المضيق.
عدا عن ذلك، سجّلت شركة جمع البيانات البحرية “لويدز ليست إنتيليجنس” عبور 77 سفينة في مضيق هرمز منذ بدء الحرب وحتّى يوم الجمعة، أغلبيتها تابعة لما يعرف بأسطول الظلّ وهي خارج إطار نظم التأمين والتتبّع المعتمدة.
لماذا تسمح إيران بمرور سفن دول دون غيرها؟
عندما سُئل وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، عما إذا كان بإمكان الدول الأوروبية تكرار النهج الذي اتبعته الهند، قال جايشانكار إن العلاقات مع إيران “تُقيّم وفق معطياتها الخاصة”، مما يجعل المقارنات صعبة، لكنه أضاف أنه سيكون سعيدا بمشاركة النهج الهندي مع العواصم الأوروبية، موضحا أن كثيرا منها أجرت أيضا محادثات مع طهران.
ورغم المحادثات التي أجرتها الدول الأوروبية مع طهران -كما كشف ذلك الوزير الهندي- فإن إيران لم توافق حتى الآن على عبور أي سفن أوروبية، مما يعني أن دائرة الاستثناءات ما زالت محدودة، وتحكمها اعتبارات خاصة لم تكشف عنها إيران ولكن يمكن تحليليا قراءة تلك الحالات (الهند، العراق، تركيا) ضمن أبعادها الجيوسياسية.
فالعراق يمثل عمقا إستراتيجيا واضحا لإيران، ومن الواضح أن طهران وبحكم علاقتها المركبة والمتعددة الأبعاد مع بغداد، لا ترغب في خنق جارتها التي ترتبط معها بتداخل سياسي واقتصادي وأمني عميق.
هذا فضلا عن أن استقرار العراق وتدفق نفطه يخدم حلفاء إيران في الداخل العراقي.
عبد القادر فايز يتحدث عن شخصية علي لاريجاني وتداعيات اغتياله
أما في حالة البلدين الآخرين (الهند وتركيا) فهما شريكان اقتصاديان كبيران لإيران، ويعتبران تاريخيا من أهم المستهلكين التاريخيين للنفط الإيراني.
وبالإضافة إلى ذلك، تمثل تركيا الجارة القريبة والعضوة في حلف شمال الأطلسي أهمية كبيرة بالنسبة لإيران، بحكم قربها وقدرتها على التأثير في الداخل الإيراني، بحكم التداخل الجغرافي والعرقي والاقتصادي بينهما.
ويبدو أن إيران ومن خلال السماح لسفن هذين البلدين بالمرور، تحاول ضمان عدم خسارة حليفين اقتصاديين، ولا يستعبد أيضا أن تستبطن مكافأتهما على عدم الانخراط في التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضدها.
وبالإضافة إلى ذلك، ربما تسعى إيران أيضا لشق الصف العالمي الذي يحاول الرئيس الأمريكي الآن بناءه ضدها، ولإرسال رسالة للجميع أنها لا تعادي العالم بأسره.
المصدر: الجزيرة + وكالات