تفاقمت الأزمة بين مدريد وواشنطن على وقع الخلاف العميق حول عدد من ملفات السياسة الدولية، من الشرق الأوسط، وتحديداً فلسطين وإيران، وصولاً إلى فنزويلا. ويذكّر النزاع الحالي بين البلدين بالأزمة التي اندلعت عام 2004 عندما قرر رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك خوسي لويس رودريغيث ثاباتيرو سحب قوات بلاده من العراق.
وقبل الأزمة الراهنة المرتبطة بالحرب ضد إيران، والتي تنذر بقطع العلاقات التجارية بين البلدين بحسب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برزت خلافات أخرى بين الجانبين في ملفات متعددة.
وكان أول هذه الملفات بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض هو ملف فلسطين، إذ حافظ رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز على موقفه المناهض لسياسات إسرائيل، مطالباً الاتحاد الأوروبي بتجميد الاتفاقيات الثنائية معها. كما واصل اتهامها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وانضمت إسبانيا إلى دعم الدعوى المرفوعة ضد قادة إسرائيليين أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الحرب على غزة.
وتفاقم النزاع بين البلدين مع رفض مدريد رفع الإنفاق العسكري إلى 5%، كما يطالب ترامب جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى إصرار إسبانيا على الدفع نحو بناء قوة عسكرية أوروبية على مستوى الجيش والصناعة، بما يقلل من الاعتماد على البنتاغون.
شهدت العلاقات بين البلدين هذا الأسبوع تصعيداً حاداً بسبب موقف إسبانيا الرافض للحرب ضد إيران، ورفضها تقديم مساعدات لوجستية للتدخل العسكري الأمريكي
كما كانت إسبانيا من الدول القليلة التي عارضت سياسة واشنطن بشأن اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في بداية العام الجاري، واعتبر سانشيز أن أي تدخل أمريكي يشكل خرقاً للقانون الدولي ولدور الأمم المتحدة.
وشهدت العلاقات بين البلدين هذا الأسبوع تصعيداً حاداً بسبب موقف إسبانيا الرافض للحرب ضد إيران، ورفضها تقديم مساعدات لوجستية للتدخل العسكري الأمريكي انطلاقاً من القواعد الأمريكية–الإسبانية على أراضيها، مثل قاعدة مورون دي لا فرونتيرا وروتا. وجاء موقف مدريد، كما عبّرت عنه تصريحات سانشيز ووزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، مؤكداً أن الحرب تتعارض مع القانون الدولي، وأن أي مساعدة عسكرية تعني الانخراط في النزاع وخرق الشرعية الدولية.
وكعادته، صبّ ترامب غضبه مساء الثلاثاء، خلال لقائه بالمستشار الألماني في البيت الأبيض، قائلاً: “بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، كانت سيئة للغاية. في الواقع، طلبت من سكوت بيسنت، وزير الخزانة، قطع جميع العلاقات مع إسبانيا… لذا سنقطع جميع علاقاتنا التجارية معها. لا نريد أن يكون لنا أي علاقة بإسبانيا”.
غير أن ما لم تكن تتوقعه واشنطن هو الموقف المتشدد لحكومة مدريد، إذ أكد سانشيز، الأربعاء، أن “موقف إسبانيا يتلخص في لا للحرب”، مضيفاً: “موقفنا ليس ساذجاً، بل متسق. لن نكون شركاء في أي خطوة تضر بالعالم أو بمصالحنا”.
سانشيز: موقف إسبانيا يتلخص في لا للحرب. موقفنا ليس ساذجاً، بل متسق. لن نكون شركاء في أي خطوة تضر بالعالم أو بمصالحنا
وجاءت المفاجأة الثانية في دعم الاتحاد الأوروبي لإسبانيا في مواجهة الولايات المتحدة، حيث صدر رد واضح مفاده أن “أي تهديد تجاري ضد دولة عضو هو تهديد ضد الاتحاد الأوروبي”. وأبلغ رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، رئيسَ الحكومة سانشيز “تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع إسبانيا”. كما انضم الحزب الاشتراكي الأوروبي في البرلمان الأوروبي وباقي التشكيلات اليسارية إلى دعم الموقف الإسباني، فيما مارست أحزاب يسارية في إيطاليا ضغوطاً على حكومة روما لوقف أي دعم عسكري للبنتاغون.
ووفق ما أوردته صحيفة بوبليكو، فقد أبدى عدد كبير من نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي حول العالم إشادة بالموقف الإسباني. في المقابل، كتبت صحيفة إل باييس، الأربعاء، أن رفض الحرب قد يعزز حظوظ سانشيز الانتخابية، في ظل الصورة السلبية لترامب لدى غالبية الشعب الإسباني، باستثناء أنصار اليمين القومي المتطرف.
القدس العربي