يرى محللون أن خريطة جاريد كوشنير لإعمار غزة لا تمثل طرحًا جديدًا، بقدر ما تعيد تدوير مقاربات اقتصادية قديمة جرى تسويقها سابقًا بمعزل عن جوهر القضية الفلسطينية، مؤكدين أن هذه الطروحات تختزل القطاع في بعده المعيشي وتتجاهل حقيقة أن ما دمّر غزة هو الاحتلال الإسرائيلي والحصار المستمر منذ سنوات.
ويشير المحللون إلى أن الحديث عن الإعمار في ظل غياب أي حل سياسي فعلي، وتحويله إلى مسار مالي مشروط يخدم المصالح الأمريكية–الإسرائيلية، يجعل من هذه المشاريع أدوات ضغط وتطويع، لا مسارات إنقاذ حقيقية، في وقت يتم فيه تجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية وتهميش الشرعية الدولية.
حلول اقتصادية تتجاهل الاحتلال
وقال المحلل السياسي إياد القرا إن مقترح كوشنير يندرج ضمن الحزمة نفسها المرتبطة بمؤتمر دافوس، وهو طرح غير جديد على الفلسطينيين، إذ يعيد إنتاج النمط الذي طُرح في منتصف تسعينيات القرن الماضي تحت مسمّى «سنغافورة الشرق الأوسط»، والقائم على تسويق مشاريع أبراج وفنادق ومنتزهات بمعزل عن جوهر القضية.
وأوضح القرا في حديث ل”قدس برس” أن الإشكالية الأساسية في هذه الطروحات تكمن في اختزال قطاع غزة في بعد اقتصادي بحت، وكأنه منطقة تعاني الفقر فقط، مع تجاهل متعمد لحقيقة أن ما دمّر غزة هو الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصارًا متواصلًا منذ أكثر من 17 عامًا، وهو ذاته من ارتكب جرائم الإبادة بحق سكان القطاع.
وأشار إلى أن هذه المقترحات الاقتصادية تُجرَّد بالكامل من بعدها الجغرافي والسياسي، ما يعكس بوضوح تطابق الموقف الأمريكي مع الرؤية الإسرائيلية، دون أي تحول حقيقي في المقاربة.
ولفت القرا إلى أن فشل هذه الخطط متوقع، لأسباب تتعلق بطبيعة قطاع غزة الجغرافية والديموغرافية، ولغياب أي حل سياسي فعلي، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بمشاريع تُفرض عليه وتُنفذ على حساب حقوقه الوطنية.
وأضاف أن هذه المحاولات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية–أمريكية مستمرة، تنبع من رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تتعامل مع القضايا الدولية بمنطق اقتصادي صرف، كما يحدث في ملفات أخرى حول العالم، معتبرًا أن تطبيق هذا المنطق على غزة يتجاهل بعدها السياسي والإنساني والمجتمعي.
وشدّد على خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث يتشبث الشعب بأرضه ووطنه رغم المجاعة والإبادة، ولا يمكن أن يقبل حلولًا بديلة تنتقص من حقه.
وبيّن القرا أن المدخل الصحيح لأي معالجة يبدأ أولًا بالاعتراف بأن ما يجري في غزة هو قضية سياسية أساسها الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا بأن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تُنفذ بأيدٍ فلسطينية قادرة على النهوض بالقطاع، مؤكدًا أن غزة تحتاج إلى إعادة إعمار حقيقية لا إلى مشاريع اقتصادية ضخمة وأحلام استثمارية يصعب تطبيقها في ظل الواقع القائم.
كما طرح تساؤلات جوهرية حول كيفية التعامل مع الاحتلال، وهل ستبقى إسرائيل تتحكم في المعابر، وكيف سيتم إدخال مواد البناء، وبناء الأبراج السكنية، والتعامل مع ملف النازحين، وتعويض المتضررين، معتبرًا أن هذه تساؤلات فلسطينية مشروعة لا يمكن تجاوزها في أي طرح مستقبلي.
إعمار مشروط وتهميش للأمم المتحدة
وقال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن الحديث الأمريكي–الإسرائيلي المتكرر عن إعمار غزة واليوم التالي لا يعكس نية حقيقية لإعادة الإعمار، بل يخفي خلفه ترتيبات مالية وسياسية تخدم الإدارة الأمريكية ومصالحها، مشيرًا إلى أن جاريد كوشنير “يجمع الأموال لمشاريعه داخل الإدارة الأمريكية، لا لإنقاذ غزة”.
وأوضح القيق في حديث ل”قدس برس” أن ما يُسمّى بـ مشروع مجلس السلام لا يستهدف إعادة إعمار القطاع بقدر ما يسعى إلى تفكيك التواصل الجغرافي والسياسي للمنطقة العربية، لافتًا إلى أن الأخطر في هذا المجلس هو طابعه المالي الإقصائي، إذ تُقدَّر عضويته بمليار دولار، ومن أراد المشاركة في الإعمار عليه أن يدفع، في مشهد يعكس – بحسب تعبيره – فتح حسابات مالية جديدة على حساب الفلسطينيين، تحت غطاء إنساني ودولي زائف.
وأضاف أن هذا المسار يعزز الهيمنة الأمريكية، ويعمل على إبعاد المؤسسات الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، عن واجهة المشهد، إذ إن التبرعات ستُدار عبر القنوات الأمريكية حصراً، ما يشكّل تهميشًا مباشرًا للشرعية الدولية.
وأكد القيق أن المال المطروح للإعمار سيكون مالاً سياسيًا مشروطًا، مرتبطًا بتطبيق أجندات تخدم أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية، الأمر الذي يعيد إنتاج معادلة يتحكم فيها دونالد ترامب بالإعمار والتمويل، وحتى بتبييض أو تعزيز جهات دولية بعينها، مقابل تهميش المؤسسات الدولية الرسمية التي لا تنسجم مع هذا التوجه.
وكان جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي السابق، قد قدّم، الخميس الماضي، لما أسمته الإدارة الأمريكية “مجلس السلام” خطته لإعادة إعمار قطاع غزة، والتي تتضمن أربع مراحل.
وتشمل الخطة ضخ استثمارات تفوق 25 مليار دولار بحلول عام 2035، على أن يُنظَّم مؤتمر في واشنطن خلال الأسابيع القليلة المقبلة لإعلان مساهمات الدول في إعادة إعمار غزة، وفق تصريحات كوشنر.
قدس برس