“المعلومة الذهبية” مصطلح يظهر باستمرار في وسائل الإعلام الإسرائيلية خاصة في الفترة الأخيرة، في سياق استعراض قدرات أجهزة الاستخبارات في الوصول للمعلومة التي تمكنهم من تحقيق هدفهم من اغتيال أو ملاحقة عناصر المقاومة، أو من أجل إحباط هجمات أو عمليات تستهدف دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وتعتمد دولة الاحتلال من أجل الحصول على هذه الـ”معلومة الذهبية” على منظومة كاملة من أجهزة المخابرات التي تستطيع الوصول لهذه المعلومة، ومن أبرز هذه الأجهزة، جهاز المهمات الخارجية “الموساد”، وجهاز الأمن الداخلي “الشاباك”، وجهاز الاستخبارات العسكري “أمان”.
مصادر “المعلومة الذهبية”
ولا يمكن حصر مصادر “المعلومة الذهبية” لتعددها، لكن المصدر التقليدي الأول والأهم الذي لا يمكن إغفاله أبدأً ولا سيما بعد معركة طوفان الأقصى – وهذا الذي اعترف به قادة الاحتلال الأمنيين- يعتمد على العنصر البشري المتواجد على الأرض، ويكون بالعادة مقرباً من الشخص المستهدف أو من محيطه أو دائرته الاجتماعية.
وتقع كاميرات المراقبة على سلم اهتمامات المخابرات ولا سيما لمتابعة الأشخاص المستهدفين أو بعد كل عملية تستهدف الاحتلال، فمن خلالها يتم تشخيص المركبة أو المنفذين وخط سيرهم، وقد شكلت الكاميرات مصدرا مهما للمعلومة في السنوات الأخيرة.
لكن كاميرات المراقبة لا تتلخص مهمتها بالنسبة لمخابرات الاحتلال في حدود الحصول على المعلومة، بل إن وجودها بحد ذاته يخلق نوعا من الردع لدى المقاومين الذي يشعرون أن ظهورهم مكشوفة للكاميرات، وهو ما تثبته الدراسات الأمنية في العالم.
أما المصدر الثالث لـ”المعلومة الذهبية”” فهو التحقيق الميداني الذي تجريه مخابرات الاحتلال مع المشتبه بهم بمساعدة منفذ العملية، أو قريب من الدائرة المستهدفة، وتكمن خطورة هذا المصدر حين تتوسع دائرة المساعدين وانفتاحهم معلوماتيا على محيطهم الاجتماعي أو ما يُعرف شعبيا بـ”الثرثرة” أو استسهال الاعتراف في سياق عملية التحقيق.
وتحاول مخابرات الاحتلال زيادة دائرة المساعدين بواسطة إجراءاتها العملية على الأرض، التي تشمل محاصرة بعض التجمعات السكانية المحيطة بمكان تنفيذ العملية، على اعتبار أن هذه الخطوة تدفع منفذ العملية لمحاولة الانتقال لمنطقة أخرى، وفي هذه الحالة يحتاج إلى مساعدين جدد.
ثم أن محاصرة المنطقة تتيح لمخابرات الاحتلال إمكانية تثبيت العناصر فيها، أي حركة السكان والمركبات، وتبدأ في مرحلة لاحقة متابعة كل متغيرات الحركة على الأرض في المنطقة انطلاقًا من طائرات الاستطلاع وكذلك العملاء والمستعربين المنتشرين بكثافة.
“المعلومة الذهبية” والوحدة 8200
ومن أهم مصادر “المعلومة الذهبية”يتمثل في رصد المحادثات والمكالمات لكل سكان المنطقة، ومحاولة تفكيك المعلومات الواردة فيها بواسطة فرق متخصصة أهمها الوحدة 8200 التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”، وكذلك وحدة السايبر في جهاز الشاباك، وفي حال تم تحديد مكالمة أو محادثة “مشبوهة” يتم مراقبة صاحبها ميدانيا وإلكترونيا بصمت إلى حين تجميع صورة كاملة عن سلوكه وأفعاله في تلك المدّة. وفي السنوات الأخيرة، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تنشط وحدات في مخابرات الاحتلال في متابعة ما ينشر من صور ومنشورات وتعليقات وتحليلها في سبيل الحصول على إشارات أو مفاتيح عن منفذ العملية أو مكانه.
وتُعتبر هذه الوحدة المعروفة باسم الوحدة 8200 هي الأخطر ومن أشهر الوحدات الخاصة التي شكلها الجيش الإسرائيلي، وتعد أحدَ أهم نقاط التسلل الإسرائيلي إلى عالم التكنولوجيا الرفيعة والمتطورة “هاي تيك”، وتعتمد الوحدة على عدّة أنواع من العمل في المجال الاستخباري وهي: الرصد، والتنصت، والتصوير، والتشويش، وتهتم بجمع المعلومات الإلكترونية واللاسلكية.
ويتطلب هذا النوع من المهمات وسائل تقنية متقدمة، وتتصدر خط الجبهة الإلكترونية الإسرائيلية، وتزوِّد متخذي القرار في الكيان الإسرائيلي بالمعلومات القيِّمة التي يحتاجونها، وأنشأ مؤسسوها الكثيرَ من الأقسام والوحدات الإلكترونية الرديفة العاملة في مجال حماية المعلومات وشبكات الاتصال.
وكان الهدف من تأسيسها تتبع المقاومة الفلسطينية وتحركات المقاومين، انطلاقًا من التنصت وتقنيات التجسس الإلكتروني، وتطور عملها مع تطور وسائل التكنولوجيا في العالم والتوسع الذي يشهده في مجال التكنولوجيا الرقمية، واستقطب الكيان العديد من المؤهلين في المجال المعلوماتي والرقمي، وضمهم إلى صفوف هذه الوحدة.
واهتمت الوحدة بالطلاب الإسرائيليين الذين لديهم قدرات خاصة في القرصنة والحوسبة، واعتنت بهم حتى وصولهم إلى الوحدة والعمل فيها، وأصبح خريجُ وحدة 8200 رديفًا لكلمة عبقري، وأصبحت الخدمة فيها جوازَ سفرٍ للشبان الصهاينة، ليصبحوا من أصحاب الملايين، بسبب استيعابهم في شركات التقنيات الرائدة، أو بفعل قيامهم بتدشين شركات.
وتنبع أهمية الوحدة من طبيعة العمل والدور الذي تقوم به، وخاصة بجعل الكيان الإسرائيلي هي الثانية في مجال التنصت في العالم بعد الولايات المتحدة، وتوازي هذه الوحدة نظيرتَها في الولايات المتحدة الأمريكية “وكالة الأمن القومي”، وإنَّ التقدم الهائل الذي حققته الدولة العبرية في مجال صناعة التقنيات المتقدمة قد وُظِّف بشكل كبير في تطوير عمليات التنصت الذي تقوم بها الوحدة وتوسيعها.
“طوفان الأقصى” وفشل الوحدة
ورغم كل الاهتمام والدعم والرعاية التي تحصل عليها هذه الوحدة، إلى أنها تعتبر من أحد أهم إخفاقات معركة طوفان الأقصى، مما أدى لاستقالة قائد “الوحدة 8200” بسبب ما أسماه الفشل في توفير المعلومة الذهبية وأثر لأزمة على جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان” وفي كتاب الاستقالة، الذي وزّعه على أفراد “الوحدة 8200″، تناول قائد الوحدة إخفاقاته بصيغة فردية قائلاً: “فشلتُ”، خلافاً لآخرين استخدموا لغة الجماعة.
وبعكسهم، لم يكتفِ بمجرد الاعتراف بالفشل، بل قدّم تفاصيل دقيقة عن موارد الفشل. وأقرّ بأنّ الوحدة لم تتمكن من توفير “المعلومة الذهبية” التي كان من شأنها التحذير المسبّق من هجوم حماس. مشيراً إلى أن التركيز على تحذير ضيّق في منطقة حدود غزة، من دون إيصاله إلى المستوى السياسي، كان خطأً فادحاً. وقال “إنّ المسؤولية عن دور 8200 في الفشل الاستخباري العملياتي تقع على عاتقي”.
قدس برس
“المعلومة الذهبية”.. سلاح الاحتلال الرئيس في استهداف المقاومة – وكالة قدس برس للأنباء