يعتبر مدير معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب الجنرال في الاحتياط تامير هايمان أنه كلما مرّ الوقت من دون تفكيك قدرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإعادة مقاتليها من دائرة القتال، كلما ظلّ الإنجاز الإسرائيلي مؤقتاً، ويعود التهديد بالتدريج.
في مقال ينشره موقع المعهد يقول إن النصر هو تحقيق أهداف الحرب وتحسين الوضع الأمني لإسرائيل في المدى الطويل، وبخلاف مراقبين إسرائيليين يؤكدون فشل الحرب رغم بشاعتها، يدّعي هايمان أنه بهذا المعنى انتصرت إسرائيل على “حماس” في غزة، غير أن قصر المدة منذ نهاية الحرب يجعل من الصعب تقييم التغيير كاملاً، لكن يمكن القول إن الوضع الأمني تحسّن، مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب.
ويمضي هايمان في مزاعمه: “مع ذلك، لن يتحقّق نزع سلاح (حماس) واستبدال حكمها من دون تنفيذ خطة ترامب بالكامل. لم يُحدَّد القضاء على (حماس) بأنه هدف للحرب، لكن ما تحقق يتجاوز ما حُدّد. اليوم، باتت (حماس) تنظيماً خاسراً لكنه يتعافى ويعيد تنظيم صفوفه، ويسيطر على نصف القطاع تقريباً”.
ويعلل رؤيته هذه بالقول إنه ظاهرياً يُنظر إلى النصر في الحرب على أنه مفهوم واضح المعالم: تحقيق هدف أحد الطرفين وخسارة الطرف الآخر، أي خسارة القدرة والإرادة على القتال. ويدلّ تاريخ الحروب، في معظمها، على أن هذا كان المعنى العملي لمفهوم النصر. وبالنسبة له أيضاً ينطوي هذا المفهوم على إجابة عن سؤالين: ماذا حققت قواتنا؟ وماذا حدث للعدو؟
التعريفات الحديثة للنصر والحسم
ويضيف: “تُميز العقيدة العسكرية الحديثة بين مفهوم (النصر)، وهو تحقيق الأهداف القتالية التي حددها المستوى السياسي، مع تحسين الواقع الأمني في المدى الطويل، وبين (الحسم)، وهو تدمير القدرة القتالية للعدو (فقدان العدو القدرة والإرادة على مواصلة القتال في المعركة الحالية). ويتحكم المستوى السياسي في الجيش، عبر سلطته، وفي تحديد غاية العملية، أي أهداف الحرب”.
وحسب الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط فإن أهداف الحرب تتيح للمستوى السياسي التحكم في شدة النيران، فإذا رغب في ذلك، يتمكن من طلب “الحسم”، بصفته جزءاً من أهداف الحرب، بل يمكنه توصيف الوضع النهائي المنشود على هذا الأساس. ويساهم المستوى العسكري في صوغ أهداف الحرب، ويُبدي رأيه في مدى قابليتها للتحقق، ثم يقدم الآلية التي تتيح بلوغها. وفي كل الأحوال، يتطلب المسار كله حواراً بين المستويين، وفق قاعدتين: يجب أن يكون الحوار حميماً وسرياً للغاية، ويُحظر على المستوى السياسي فرض طريقة العمل على المستوى العسكري.
وحول الفارق بين النصر في الرياضة والنصر في الحرب، يقول هايمان: “بخلاف الخطاب المهني المتعلق بنظرية القتال، يختلف الخطاب المدني العام. ففي هذا الخطاب، يُوصَف مفهوم (النصر) بأنه نجاح موضوعي، كنهاية مباراة رياضية، لا خلاف فيها على الفائز والخاسر، وتكمن المشكلة في أن الجمهور يطالب بالأمر ذاته في الحرب، لكن للحرب خصائصها الفريدة: لا توجد لها قواعد ثابتة، ولا حكم متفق عليه. تُعد الحرب مملكة عدم اليقين والعشوائية، ويسعى كل طرف لبلوغ أهدافه، عبر الخداع والمراوغة والحيلة، وقد يدّعي الطرفان النصر، كلٌّ بحسب أهدافه، أما الحسم، فلا يمكن لطرفين ادعاؤه معاً، إذ يمكن الحكم موضوعياً على الطرف الذي فقد القدرة القتالية”.
توسيع المفاهيم التكتيكية
وعن اختلاف الحرب في الفترة الراهنة عن الماضي، يقول هايمان: “نشأت الحرب في المستوى التكتيكي وتطورت مع تطور التكنولوجيا والتحولات الاجتماعية، الأمر الذي أدى إلى تمدد مفاهيمها الأساسية، لتشمل فضاءات قتال أوسع. وحدث هذا أيضاً لمفهوم (الحسم). هذا المفهوم الذي وُلد من سياق المعركة التكتيكية، امتد إلى المستويات العملياتية والإستراتيجية، الأمر الذي أفقده جزءاً من دلالته. وحدث تمديد آخر لمفهوم الحسم في عملية القضاء على (الإرهاب) وحرب العصابات وهي ساحة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، مقارنة بالحروب بين الجيوش النظامية”.
ويقول أيضاً إنه منذ حرب 1973 خاضت إسرائيل معاركها، أساساً، ضد تنظيمات “إرهابية” وعصابات مسلحة، باستثناءات محدودة (لبنان 1982، والحرب مع إيران 2025). وفي هذه المواجهات، تجنّب المستوى السياسي طلب الحسم، مفضلاً أهدافاً محدودة، مثل “إضعاف القدرات”، أو “تعزيز الردع”. ونتج من ذلك تراجع مكانة مفهوم “الحسم”. وتبقى الإشكالية: هل السبب هو عجز عسكري عن الحسم، أم رغبة سياسية في تجنب تكلفته؟ والجواب: كلاهما؛ لقد عرض الجيش على المستوى السياسي ثمن الحسم ضد تنظيم مسلح متموضع وسط المدنيين واعتبر السياسيون أن الثمن باهظ، فتجنبوا تعريف “الحسم” بأنه هدف للحرب”.
هل انتصرت إسرائيل في حرب السيوف الحديدية؟
عن ذلك يجيب: “يجب أن يُقاس الجواب في ضوء الأهداف المعلنة للحرب، ومنها: إسقاط حكم (حماس)، وإزالة التهديد العسكري من غزة، واستعادة أمن الإسرائيليين، وتعزيز الردع، وتهيئة الظروف لإعادة الأسرى، وإعادة سكان الغلاف والشمال. بعض هذه الأهداف غير قابل للقياس، مثل (تعزيز الردع) و(الشعور بالأمان). ويمكن القول إن هدف إعادة السكان تحقق، وأن تهيئة الظروف لإعادة الأسرى تحققت أيضاً. أما بالنسبة إلى إسقاط حكم (حماس) وتفكيك قوتها العسكرية، فإنها اليوم مختلفة عمّا كانت عليه قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023: فقادتها قُتلوا، وكتائبها تفككت، وقدراتها الصناعية والعسكرية انهارت، ومقاتلوها يخوضون حرب عصابات في خلايا صغيرة. ويمتلك التنظيم نحو 10% من صواريخه السابقة، ونحو 10 آلاف بندقية موزعة على 17 ألف مقاتل (غير متمرسين، في معظمهم)، ومع ذلك، لا يزال منع إعادة بناء التنظيم مطلوباً”.
ويرى الجنرال الإسرائيلي أن القضاء على “حماس” يتطلب تدمير الآلية التي تتيح لها التجنيد وإخراج المقاتلين من دائرة الحرب، سواء عبر القضاء عليهم، أو عبر اتفاق يسلّمون السلاح بموجبه، ويتطلب أيضاً إقامة سلطة بديلة تنافس “حماس”، لأن غياب جهة حاكمة أخرى يسمح للتنظيم بتعزيز سيطرته. وتُقدم خطة ترامب (مجلس السلام، حكومة تكنوقراط، قوة حفظ الاستقرار) نموذجاً من ذلك، عبر إنشاء بديل يُضعف سلطة “حماس” ويمهد لاستبدالها”.
في هذا السياق يكشف تحقيق تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم، عن أن مليوني إسرائيلي مصابون بأزمات نفسية جراء الحرب التي تعتبر الأطول والأشرس والأكثر كلفة بالنسبة للجانب الإسرائيلي أيضاً. وتحذر جهات مهنية في إسرائيل أنها على موعد مع “تسونامي من الإصابات النفسية”، خاصة ما يعرف بـ”الكرب ما بعد الصدمة” جراء الحرب. وتنقل الصحيفة عن خبيرة نفسية بارزة قولها إن لجنة تحقيق رسمية ستساعد في خفض التوترات وفي تيسير عملية استشفاء الإسرائيليين بدلاً من معالجة نزيف خطير بلاصق للخدوش أو الجروح الخفيفة.
القدس العربي
“عن النصر والحسم وما بينهما”.. معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب يلخّص نتائج حرب الإبادة