يرى محللون أن مشهد التفاعل الإقليمي حول غزة يعكس سباقاً دبلوماسياً محموماً بين القوى الفاعلة، فبينما تتمسك مصر بدورها التاريخي كضامن للأمن والاستقرار على حدودها الشرقية، تفرض تركيا حضورها المتنامي كوسيطٍ لا يمكن تجاوزه في هندسة اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي قلب هذه التحركات، تتقاطع الحسابات الأمنية والسياسية لكل طرف مع حسابات واشنطن وتل أبيب، في معادلة معقدة تحدد مستقبل القطاع والمنطقة بأكملها.
الدور المصري في غزة.. أمن قومي لا مساومة فيه
بدوره أكد المحلل السياسي خالد شنيكات أن “مصر تعتبر قطاع غزة جزءاً من أمنها القومي المباشر، ومن ثم فإن ضمان عدم نشوء أي تهديد من القطاع أو من خلفه (الإسرائيلي) يشكل أولوية استراتيجية للقاهرة”.
وأوضح شنيكات، في حديث لـ”قدس برس” اليوم الخميس، أن “المصلحة الأمنية المصرية الحقيقية تكمن في بقاء غزة، ولا سيما منطقة رفح، ضمن دائرة التأثير المصري، بما يحول دون تمدد نفوذ أي أطراف أخرى على حدودها الشرقية”.
وأشار إلى أن “الولايات المتحدة تسعى، من جانبها، إلى ترسيخ اتفاق وقف إطلاق النار وفق ما يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما تهدف (إسرائيل) إلى القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية وضمان أن يكون (اليوم التالي) من دون حركة (حماس)، مع حرصها على التحكم المباشر ببعض مناطق القطاع”.
وبيّن شنيكات أن “القضية الأكثر تعقيداً في أي خطة أميركية لإعادة الإعمار تتمثل في ملف نزع السلاح؛ فقوات الاحتلال تصرّ على تسليمه بالكامل، بينما تؤكد (حماس) أنها لن تفعل ذلك إلا في إطار دولة فلسطينية ذات سيادة، ما يجعل الملف في قلب الخلافات بين الأطراف”.
وأضاف أن “واشنطن لا تكتفي بالتنسيق مع تركيا وقطر، بل تسعى إلى توسيع دائرة الشركاء الإقليميين لتشمل مصر، إدراكاً منها أن القاهرة تمتلك أدوات ضغط ميدانية وسياسية في غزة”.
ويرى شنيكات أن “(إسرائيل) تفضّل التعامل مع مصر على تركيا، إذ تعتبر أنقرة حاضنة لجماعة الإخوان المسلمين، بينما ترى في مصر طرفاً قادراً على ضبط الحدود وتحمل الأعباء الأمنية”.
وكشف أن “بعض قادة المعارضة (الإسرائيلية) اقترحوا نقل مسؤولية القطاع بالكامل إلى مصر، بما يجعلها مسؤولة عن أي تهديدات مستقبلية لـ(إسرائيل)”.
وحول تفاصيل خطة ترامب، أوضح المحلل السياسي الأردني أنها تشمل ثلاث أولويات: نزع سلاح “حماس”، وهو المطلب “الإسرائيلي” الأول، وتسليم الأسرى “الإسرائيليين”، وبدء عملية إعادة الإعمار من رفح، ثم التمدد نحو باقي مدن القطاع.
غير أن تنفيذ الخطة، بحسبه، يعتمد على مدى التنسيق “الأميركي–الإسرائيلي”، وما إذا كانت واشنطن ستتحرك بالتفاهم مع تل أبيب أم بشكل منفرد ومفاجئ.
وشدد شنيكات على أن “الدول العربية لا ترغب في الدخول في صدام مباشر مع فصائل المقاومة حتى لا تبدو وكأنها تدافع عن (إسرائيل)”، مضيفاً أن “الولايات المتحدة تراهن على مزيج من الأدوار: الدعم المالي والسياسي من قطر وتركيا، مع الحضور الميداني المصري، الذي تعتبره واشنطن الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية الأمنية، في حين تبقى (إسرائيل) متوجسة من الدوحة وأنقرة بسبب علاقتهما الوثيقة بالإخوان المسلمين”.
الدور التركي في اتفاق وقف إطلاق النار.. حضور لا يمكن تجاوزه
من جانبه، أكد المحلل السياسي حازم عياد أن “عزل تركيا عن الملف الفلسطيني بات أمراً مستحيلاً، إذ أصبحت أنقرة شريكاً رئيسياً في صياغة اتفاق وقف إطلاق النار وهندسته”.
وأوضح عياد، في حديثٍ لـ”قدس برس”، أن “تركيا تُعدّ أحد أبرز الوسطاء والضامنين”، مشيراً إلى أن “ترامب أثنى في أكثر من مناسبة على قدرة أنقرة على كسر الجمود في المفاوضات، معتمداً على الرئيس رجب طيب أردوغان لتذليل العقبات في اللحظات الحساسة”.
وأضاف أن “إقصاء تركيا من أي تسوية قادمة أمر غير ممكن، لأنها ركيزة أساسية في أي معادلة إقليمية أو أمنية تخص غزة”.
وأوضح أن “واشنطن ما زالت تراهن على الدور التركي، وتمارس ضغوطاً على (إسرائيل) للتراجع عن رفضها مشاركة أنقرة في القوات الأممية المقترحة”.
وأشار عياد إلى أن “النفوذ الإقليمي الواسع لتركيا – في سوريا، وشرق المتوسط، وأوكرانيا – يجعلها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه”، مضيفاً أن “أنقرة تبذل جهوداً كبيرة لمعالجة أزمة معبر رفح والبحث عن ممر آمن للفلسطينيين العالقين لتجنب انهيار الاتفاق”.
أما بشأن مسودة القرار الأممي الجاري بحثها، فأوضح عيّاد أنها “ما زالت محل نقاش واسع في ظل تحفظات عربية وإسلامية، خصوصاً من مصر، التي تعتبر أن الصيغة الحالية تهدد الوجود الفلسطيني وتفرض واقعاً سياسياً جديداً”.
وأكد أن “الدول العربية والإسلامية متفقة على ضرورة مراجعة المسودة (الإسرائيلية–الأميركية) قبل إقرارها”.
وبيّن أن “إعلان الإمارات عدم المشاركة في القوات الأممية يعكس جانباً من الانقسام العربي بشأن طبيعة هذه القوات ودورها”، لافتاً إلى أن “الأردن رفض المشاركة مسبقاً، فيما تبدي السعودية تحفظات خاصة، رغم وجود تنسيق متزايد بين القاهرة وأنقرة حول الصيغة النهائية للاتفاق”.
وختم عيّاد بالقول إن “الطرف الوحيد الذي يعارض الدور التركي هو (إسرائيل)، بينما تدرك الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية أهمية استمرار الحضور التركي لضمان استقرار الاتفاق”، مؤكداً أن “أنقرة متمسكة بدورها كأحد مهندسي الهدنة وضامنيها، ولن يكون من السهل تجاوزها في المرحلة المقبلة”.
وما يزال قطاع غزة يواجه آثار الحرب “الإسرائيلية” التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من 239 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومجاعة أودت بحياة كثيرين، فضلًا عن دمار شامل طال معظم مناطق القطاع، وسط تجاهل دولي لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان.
وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلن ترامب التوصل إلى اتفاق مرحلي بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة “حماس”، إثر مفاوضات غير مباشرة في شرم الشيخ، بمشاركة تركيا ومصر وقطر، وبإشراف أميركي.
قدس برس