في غزة، حيث تستمر الحياة رغم الحرب والدمار المستمر، يعيش الناس يوميات مليئة بالتحديات والصعوبات، ومع ذلك يصرون على الصمود والبقاء، فيحوّلون الألم والفقد إلى عمل وإبداع، ويستغلون أبسط الأشياء ليصنعوا الأمل ويؤمنوا قوت أسرهم ويدعموا من حولهم، من إعداد الطعام والحلويات إلى الخياطة والعمل اليدوي والمهن الصغيرة.
تروي هذه الحكايات قدرة الإنسان على التكيف والإبداع في مواجهة أصعب الظروف. إنها شهادات حية على قوة الإرادة والصبر، وعلى أن الأمل يمكن أن يستمر ويخلق فرقًا ملموسًا في حياة الناس حتى في أحلك اللحظات.
حلوى الصمود
في مدرسة من مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» في المحافظة الوسطى حيث تحوّلت الصفوف إلى غرف مكتظة بالنازحين تعيش شادية الزعلان مع أطفالها وأسرة زوجها بعد أن فقدت منزلها جراء الحرب الأخيرة. فالمكان ضيق يفتقر للخصوصية والراحة، لكن شادية لا تملك خيارًا آخر سوى أن تحاول خلق حياة طبيعية قدر المستطاع وسط الجدران الباردة وصوت القصف الذي لا يغيب.
ووسط هذه الظروف القاسية قررت شادية أن تتمسك بمهنة بسيطة لكنها تحمل معنى كبيرًا بالنسبة لها، فبدأت بصناعة حلوى الغريبة التي ارتبطت في ذاكرتها بالفرح، وصارت اليوم وسيلتها الوحيدة لتأمين قوت أسرتها.
أصغر الأشياء تصنع الفرق وتمنح القوة
تقول شادية بابتسامة متعبة أصنع الغريبة بحب، فهي ليست مجرد حلوى بل جزء من ذاكرتنا ومن حياتنا التي نحاول أن نستعيدها رغم كل شيء».
لكن الحلم الصغير يواجه تحديات كبيرة، فارتفاع الأسعار جعل الأمر أثقل بكثير مما تستطيع احتماله، والطحين الذي كان يومًا متوفرًا أصبح نادرًا، وقد وصل سعر الكيلو إلى 100 شيكل أي ما يعادل 30 دولارًا، أما السكر فقد قفز إلى 300 شيكل للكيلو الواحد، ومع ذلك، تواصل شادية محاولتها، تجمع ما تستطيع من نقود لتشتري الكميات القليلة اللازمة، وتحوّلها بأصابعها إلى قطع حلوة تباع للناس داخل المخيم أو خارجه.
ولأن الغاز مقطوع منذ شهور، تجد شادية نفسها مضطرة لاستخدام الحطب لإعداد حلوى الغريبة، تجلس أمام النار والدخان لساعات طويلة كي تنضج الصينية، فيما يراقب أطفالها من حولها، تقول وهي تمسح العرق عن جبينها «أطهوها على النار، رغم التعب، لأنني لا أملك وسيلة أخرى، المهم أن أعود بشيء لأطفالي».
«الغريبة» بالنسبة لشادية لم تعد مجرد حلوى، بل صارت رمزًا للمقاومة اليومية، وطريقة للبقاء في حياة فقدت كل مقوماتها، هي تؤمن أن هذه القطع الصغيرة من الحلوى قادرة على أن تمنح أطفالها طاقة، وأن تمنحها هي شعورًا أنها لا تزال قادرة على العطاء رغم كل شيء.
فقصة شادية الزعلان ليست استثناءً، بل تعكس واقع نساء كثيرات في غزة ممن حوّلن تفاصيل صغيرة إلى وسائل للعيش وسط الحرب، لكنها في الوقت ذاته تروي كيف يمكن للبساطة أن تكون شكلًا من أشكال الصمود، وكيف يمكن لحلوى الغريبة أن تحمل طعم البقاء في زمنٍ لا يعرف سوى المرارة.
بيتزا البقاء
في منطقة المواصي، حيث تمتزج رائحة البحر مع غبار الأرض الجافة، تسكن رقية إبراهيم، امرأة فقدت زوجها شهيدًا منذ سنوات، لتجد نفسها في مواجهة حياة قاسية بمفردها، فرقية لم تكن فقط أرملة، بل أم لثلاث بنات يملأن عالمها بالحب والقلق في آن واحد، فمنذ استشهاد زوجها تحولت حياتها إلى رحلة يومية من الكفاح، تقاتل فيها من أجل أن توفر لبناتها حياة كريمة ولو بحدها الأدنى. فالخيمة المتواضعة التي تعيش فيها رقية تفتقر إلى الكثير، لكن عزيمتها لا تعرف النقص، ووسط هذه الظروف، ابتكرت لنفسها وسيلة للبقاء، وسيلة تحمل بصمة يديها وإصرارها، اختارت صناعة البيتزا لتكون مصدر رزقها.
ففي خيمة صغيرة تغمرها روائح العجين والطماطم والزعتر، تبدأ رقية يومها منذ ساعات الصباح الأولى، تعجن بيديها وتخلط المكونات بحب، وكأنها تضع في كل قطعة بيتزا جزءًا من قصتها، تقول بابتسامة مشوبة بالتعب البيتزا أصبحت حياتي، بها أعيل بناتي، وأحاول أن أثبت أنني قادرة على مواجهة الظروف مهما كانت صعبة.
لكن رحلة رقية لا تخلو من التحديات، الأسعار ترتفع بشكل لا يُحتمل، وتأمين الطحين والزيت والخضار أصبح تحديًا يوميًا، ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر ليس في المكونات، بل في الخبز نفسه، فهي لا تملك فرنًا خاصًا، فتأخذ صواني البيتزا إلى جارتها في المنطقة ذاتها، فهناك، تجلس امرأتان تجمعهما المعاناة والأمل، تعملان جنبًا إلى جنب حول النار، إحداهما تضع الصواني في الفرن، والأخرى تجهز العجين، وفي أثناء ذلك يتبادلن الحديث عن حياتهن وأحلامهن، عن الأبناء ومستقبلهم، عن الفقد والخوف، وعن رغبة دفينة في العيش بسلام.
هذا التعاون البسيط بين امرأتين في المواصي ليس مجرد عمل منزلي، بل هو صورة حقيقية للتكافل بين النساء في غزة، فرقية تقول لولا جارتنا لما استطعت أن أواصل عملي، هي تقف بجانبي وتفتح لي خيمتها وفرنها، وهذا يعطيني شعورًا أنني لست وحدي.
فبناتها الثلاث يراقبنها وهي تعمل بجد، يرين كيف تعجن وتخبز وتتعب، ويتعلمن منها درسًا في الصبر والصمود، رقية تحرص أن يعرفن أن العمل مهما كان صغيرًا يمكن أن يمنح كرامة ويصنع حياة، تقول بثقة أريد لبناتي أن يفخرن بي، أن يتعلمن أن المرأة قادرة أن تتحمل المسؤولية مهما كان الحمل ثقيلًا.
فقصة رقية إبراهيم في المواصي هي أكثر من مجرد حكاية امرأة تصنع البيتزا، إنها شهادة حية على قدرة النساء في غزة على تحويل الألم إلى فعل، والخسارة إلى بداية جديدة، هي حكاية أم فقدت زوجها لكنها لم تفقد إرادتها، فخلقت من نار الفرن ورائحة العجين وسيلة للبقاء ورسالة إلى العالم أن المرأة الفلسطينية مهما فقدت ستظل قادرة على صناعة الحياة.
إبرة وبذرة
في أحد أركان مخيم الإيواء، في المحافظة الوسطى حيث تمتد الخيام على مد البصر ويختلط تراب الأرض برائحة الدخان والذكريات المؤلمة، يعيش صالح ونوال، زوجان لم يُرزقا بالأطفال، فرغم الفراغ الذي تركه غياب الأبناء، لم يستسلما للحزن. بل وجدا لنفسيهما مهمة يومية تمنحهما شعورًا بالقيمة والعطاء، وفي زاوية بسيطة من الخيمة المتهالكة، توجد ماكينة خياطة يدوية قديمة، بواسطتها يقضيان ساعات طويلة كل يوم في إعادة الحياة للملابس المهترئة، وتحويلها إلى قطع يمكن أن يستفيد منها أهل المخيم.
يقول صالح بابتسامة هادئة وعيون تتلألأ بصبره: «نحن لا نخيط الملابس ونعدلها من أجل المال، بل لنمنح الناس شعورًا بالكرامة، كل ثوب نحياه يحمل قصة، ونحاول أن نعيد له الحياة كما نحاول أن نعيد بعض الأمل لأهل المخيم».
أما نوال، التي تضع لمساتها الأخيرة على كل قطعة خياطة، فتضيف «الأمر ليس فقط عن المال، بل عن الشعور أننا نفعل شيئًا مفيدًا، كل مرة نرى شخصًا يرتدي ثوبًا صنعناه نشعر أننا ساهمنا ولو قليلاً في حياتهم».
فالخيمة صغيرة ومتواضعة، وماكينة الخياطة يدوية والأدوات محدودة، لكن العمل يعكس روح الصمود والتعاون، وخيوط القماش تتحول بين يديهما إلى رمز للصبر والجهد اليومي، أما كل غرزة فهي إعلان أن الحياة يمكن أن تُعاد تشكيلها، وأن الإصرار والعمل اليدوي يمكن أن يخفف من وطأة ظروف المخيم القاسية.
ورغم غياب الأطفال، يجد صالح ونوال معنى للحياة في الآخرين، في ابتسامات من يرتدون الملابس التي صنعوها، وفي شعور أهالي المخيم بالامتنان. قصتهما ليست مجرد خياطة، بل انعكاس للقدرة على تحويل الألم والفراغ إلى فعل، وإثبات أن الحب والعمل المستمر يمكن أن يخلقا بصمة حقيقية في حياة الناس، مهما كانت الظروف صعبة.
ففي نهاية اليوم، تظل هذه الحكايات من غزة دليلًا حيًا على قوة الإنسان وقدرته على التحمل والإبداع في أصعب الظروف، من حلوى الغريبة إلى البيتزا والخياطة اليدوية، يحوّل الناس الألم والحرمان إلى أمل وعمل يمدّ الحياة بالكرامة والدفء، هي قصص تثبت أن الصمود ليس مجرد مقاومة للظروف، بل قدرة على صنع الفارق في حياة الآخرين، وأن الإرادة والأمل يمكن أن يبنيا حياة جديدة حتى وسط الدمار.
القدس العربي