You are currently viewing هل انتهى زمن «القيم العالمية»؟

هل انتهى زمن «القيم العالمية»؟

شهدت الأوساط الثقافية والسياسية حديثاً تراجع أهمية حقوق الإنسان، خصوصاً الحق في الحياة والتعبير المنصوص عليهما في الإعلان العالمي، وسط مطالب غربية بإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وسيادة الدولة بعد أزمة اللجوء في أوروبا، مقابل انتقادات للكيانات والمؤسسات «فوق وطنية». هذه المطالب تتصادم مع التعهدات الدولية للدول، مما يثير تساؤلات حول استقرار النظام العالمي وخطر تآكل منظومة القيم الحقوقية، ويدفع نحو صعود حركات وأحزاب قومية شبه فاشية.

ما يعقد المشهد أكثر، ظهور مفهوم جديد نسبياً، وقد أصبح حاضراً بقوة في قطاعات اجتماعية متنوعة، عبر شبكة من المصالح المتشعبة، والسلطوية الهرمية المعقدة، وهو مفهوم »الناشطية«، التي تجد من يعبّر عنها داخل »منظمات غير حكومية «، فهذه المنظمات مدعومةً بقوةٍ من مؤسسات »فوق وطنية« مثل الاتحاد الأوروبي، أو من أحزاب سياسية محلية ودول، كما أن »الناشطية«، وعلى الرغم من ادعاءاتها بأنها لا تُمثل أيديولوجية سياسية، تساهم في تخريب أي مقياس حقوقي وقانوني كوني، عبر ترويجها لما يسمى بـ»سياسة الهوية«، و»التمييز الإيجابي« لهويات، تدعي »الناشطية« أنها تمثل »ضحايا«، فحصل انزياح في التساؤل، »على أي جانب أيديولوجي أنت تقف؟«، إلى »من أنت؟«.
ونشهد اليوم عودة شبح الدولة الوطنية، بكل ثقلها العسكري والاقتصادي والسياسي، صحيح أن الدولة الوطنية لم تكن غائبة قبل ذلك، ولكن، لم تكن أولوية سيادة الدولة والمصلحة الوطنية، وسياساتها الحمائية (كما في حالة الرسوم الجمركية المدرجة حديثاً، والقيود على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً على العديد من الدول)، تأخذ هذا الحيز الواسع من الاهتمام في الصراعات السياسية، والانتخابات المحلية، والنقاشات العامة في وسائل الإعلام والصحف، كما يحصل في وقتنا الحالي، وأياً يكن، فالمخاوف من تدهور النظام الدولي، ومنظومته القيمية، أصبحت جدية، خصوصاً في ضوء ما وصلت إليه الحرب بين إسرائيل وحماس، والحالة الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، أو في وضع سباق التسلح، وتحديث الجيوش في دول الاتحاد الأوروبي، والنقاش السياسي الدائر حول إعادة التجنيد الإجباري، كما في ألمانيا؛ بسبب خطر مواجهة محتملة مع روسيا مستقبلاً، بعد أن وجد بعض المشاركين أنفسهم (حتى لو كانوا مشاركين غير مباشرين) في الصراع الأوكراني/الروسي، غارقين أكثر فأكثر في حرب طال أمدها.
هل ما زال هناك من معنى للحديث عن قيم حقوق الإنسان العالمية، والقانون الدولي الإنساني، خصوصاً، في ضوء الكوارث الاجتماعية، والإبادات الطائفية، والحالات التي ترتقي لأن تكون »جرائم حرب«؟

»عقدة الكولونيالي« وجدل البدايات
توضح الكاتبة الإيطالية تشينزا تشوتو، في كتابها »مآزق التعددية الثقافية«، ما تسميه »عقدة الكولونيالي «، لدى من يدافع اليوم عن نظام حقوق »خاصة« للمجتمعات التي كانت مُستعمَرة في الماضي؛ أي الافتراض بأن القوى الاستعمارية، ألزمت مستعمراتها على تبني شرائعها وقوانينها، المتمثلة في ما يعرف بـ»حقوق الإنسان«؛ ولهذا السبب، قامت تلك المستعمرات بتشكيل مقاومة محلية ضد مستعمريهم. ولكن، قد تكون هذه القراءة التاريخية غير دقيقة، فكثير من المستعمرات، استفادت من امتيازات خاصة، ومن نظام قانوني مزدوج، وبقيت العادات والأعراف المحلية، تتمتع بنظام حقوقي مستقل، عن ذلك النظام الذي جلبه معه المستعمر الخارجي.
شرعة حقوق الإنسان تعود في تاريخها إلى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، وبواكير نشوء مؤسسات عالمية لحل النزاعات بين الدول، كانت في بداية القرن العشرين، وكان علينا الانتظار إلى حين انتهاء الحرب العالمية الثانية، لنشهد الولادة الرسمية لمؤسسات الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، وكلها كانت في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، كما أن الهدف الأساسي من هذه المؤسسات وقوانينها في تلك اللحظة، هو عدم تكرار مآسي الحرب العالمية الثانية، وضرورة وجود »صيغة قانونية مشتركة« ومؤسسات عالمية لحل الخلافات بين الدول؛ أي الشرائع والمؤسسات الدولية كانت ثمرة تجربة إنسانية مشتركة، وليست تعبيراً عن نزوع سلطوي، لذات متعالية على التاريخ تُدعى »الغرب«.
في الستينيات، ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية »حركة حقوق المواطنة«، وكانت المطالب تدور حول المساواة أمام القانون، وكان من بين المشاركين، من هم من أصول افريقية، ولم يتطرق هؤلاء إلى حقبة الاستعمار، للمطالبة بـ»تعويضات«، أو »امتيازات خاصة«، فقد فهموا أن حقوقهم هي جزء من حقوق كونية، ومن تجربة إنسانية مشتركة؛ أي كأنهم كانوا يقولون: لا نريد المساواة في الحقوق، لأننا أصحاب »بشرة سوداء«، ولا لأننا أتينا من مستعمرات سابقة، بل لأننا جزء من »الإنسانية« ككل. هذه المقولة تقف على النقيض مما يروج له »اليسار الجديد« اليوم، حول مفاهيم مثل »السكان الأصليين«، واحترام »خصوصيتهم الثقافية«، التي ستؤدي إلى »نسبية ثقافية«، وتحجب أي مساواة قانونية أمام الهيئات والمؤسسات.
أياً يكن، فـ»النسبية الثقافية« أصبحت أيديولوجيا سياسية، وتوضع في هذه الحالة على وجه النقيض من عالمية حقوق الإنسان، وتحت مسمى »الخصوصية الثقافية« للمجتمعات، نشهد العديد من الانتهاكات للفئات الاجتماعية الأضعف، والأقل حظاً في الوصول إلى الثروة والسلطة؛ أي أن »الخصوصية الثقافية« تحجب الصراعات الداخلية حول الحقوق والحريات، ولكن، عمومية الحقوق تفترض أن جميع الأفراد، هم متساوون أمام القانون، وعندما لا تسري هذه الحقوق على الجميع، فيمكن اعتبار أن البعض يتمتع بـ»امتيازات خاصة«.

في الحاجة إلى »طرف ثالث مشترك«
في الشرط الحداثي، ظهر تمييز صارم، ورسم للخطوط العريضة، بين رأس المال والعمل، بين الأمم، بين »الطبيعة« والثقافة إلخ، وما يترتب على ذلك، من بروز تناقضات في المصالح والأهداف، يمكن حلها عبر »جهة ثالثة مشتركة«، يتم الاتفاق على شرعيتها، أو عبر »مقياس عام«، تستند إليه الأطراف المتنازعة؛ ومن ثم يمكن حل، على سبيل المثال، التناقض بين رأس المال والعمل، من خلال الإجراءات والقرارات التي تتخذها الدولة، للحد من أثر الاستغلال الناتج عن هذا التناقض؛ أي من خلال ما يُسمى بـ»الدولة الاجتماعية«، وبالطريقة نفسها، تُحل النزاعات بين الدول، عبر طرف ثالث، مثل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والقانون الدولي الإنساني، خصوصاً عند تطور النزاعات إلى حروب؛ أي لا بد من وجود طرف محايد للحكم بين الأطراف المتنازعة، سواء أكان هذا الطرف مُتمثل في شكل رمزي، مثل القوانين والدساتير، أو في شكل هيئة مرجعية Instance، مثل المؤسسات.

في كتابه الحيّز العام وأعداؤه، يشير الكاتب الألماني برند شتيغمان إلى أننا نعيش اليوم في سياق أيديولوجي بعد حداثي، حيث تهيمن الأيديولوجيا النيوليبرالية على مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، ومترسخة في كيان الدولة. فالدولة القوية هنا تعمل كسلطة حيوية: تحافظ على النظام، توفر الرعاية الصحية، التأهيل المهني والعمالة، سواء عبر الهجرة أو القوى الوطنية، وتبني البنية التحتية اللازمة للشركات.
كما يتضمن هذا الشرط بعد الحداثة فكرة أساسية: إذا نشأ نزاع بين طرفين، فإن الطرف الثالث المشترك للتحكيم يكون جزءًا من الصراع ذاته، وليس خارجًا عنه. لذلك، لا وجود لما يمكن تسميته بـ»قيم عامة» أو «لغة مشتركة» تتفاهم من خلالها الأطراف المتحاربة. في هذا السياق، تهيمن الفردانية الأنانية والنسبية الثقافية، لتصبح التيار الرئيسي الذي يعبر عن توجهات الأفراد والمجتمعات والدول، ما يحجب إمكانية الوصول إلى قيم كونية أو أرضية مشتركة لحل النزاعات الناتجة عن تعارض المصالح.
ينتج عن ذلك ما نراه اليوم من مزاعم اليسار الجديد والناشطية بأن القيم الكونية لحقوق الإنسان والمؤسسات الدولية ما هي إلا «منتج استعماري» يفرضه الغرب و”الرجل الأبيض” على الشعوب الأضعف للسيطرة على أراضيهم وثرواتهم. أي أن الصراع هنا يتحول إلى صراع حول السلطة ومن يمارسها بالقوة، في ظل غياب أي مقياس موضوعي عام لفحص المطالب أو الآراء. وهذا، في رأي شتيغمان، يؤدي إلى عدمية قاتمة: تتحول جميع الصراعات الاقتصادية والسياسية إلى صراعات غير قابلة للحل أو مؤجلة دائما، ويصبح المشهد السياسي العالمي مجرد إدارة للصراعات بدلا من حلها.
مع ذلك، هناك مفارقة أساسية: في اللحظة التي ينادي فيها اليسار الجديد والناشطية بالمساواة والعدالة ضد المركزية الغربية و”الرجل الأبيض”، فإن ذلك يستلزم الاستناد إلى مبدأ عالمي أو قيم عالمية كي يفهم الآخرون اللغة التي ينطلقون منها. فلا بد من وجود «لغة مشتركة» أو ترجمة للتجربة الذاتية إلى لغة حقوقية كونية.

كاتب سوري

فراس سرابقي

المصدر: القدس العربي

هل انتهى زمن «القيم العالمية»؟

شارك المقالة