في ظلّ تصاعد الاستيطان، وتآكل فرص التسوية، وتمدد نظام الفصل العنصري الذي تفرضه قوات الاحتلال، تتعالى أصوات فلسطينية تحذر من خطورة المرحلة، وتؤكد أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع، يُسقِط وهم “الدولة الفلسطينية” ويُكرّس واقع “الدولة الواحدة العنصرية”.
هذا الواقع، كما يراه خبراء فلسطينيون، لا يهدد فقط الفلسطينيين تحت الاحتلال، بل يُعيد صياغة الخريطة السياسية في المنطقة، ويضع الأنظمة العربية أمام اختبار وجودي، بعدما باتت شعوبها ترى في الاحتلال خطرًا استراتيجيًا مباشرًا.
وقال أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، إياد القطراوي، إن “ما يُعرف بـ(الدولة الواحدة العنصرية) لم يعد مجرد طرح نظري، بل تحوّل إلى واقع مفروض على الأرض، حيث تفرض (إسرائيل) سيطرتها الفعلية من البحر إلى النهر، دون أن تمنح الفلسطينيين أي حقوق متساوية، لا في الضفة الغربية، ولا غزة، ولا القدس”.
وأكد في حديثه لـ”قدس برس” اليوم الاثنين، أن ما يجري هو “نظام فصل عنصري مقنّن، يرتدي عباءة ديمقراطية مخصصة لليهود فقط”، مشيرًا إلى أن “الحل السياسي يتآكل تدريجيًا، بينما يتمدد الواقع العنصري بلا رادع”.
وأضاف القطراوي أن “الفشل المتراكم أصاب الشارعين العربي والفلسطيني بحالة من الإحباط العميق واللامبالاة السياسية”، موضحًا أن “الثقة تآكلت لدى كثيرين تجاه الأنظمة، والوساطات، وما يُسمى بـ(الحلول السلمية)، بعدما تبيّن أنها ليست إلا إدارة للهزيمة، لا طريقًا نحو العدالة”.
وشدد على أن المشهد بات محصورًا في خيارين لا ثالث لهما: “إما اليأس والإحباط، أو انفجار قادم لا محالة”.
وأشار إلى أن “تراجع مشروع التسوية السياسية دفع شرائح واسعة من الفلسطينيين نحو تبني خيارات المقاومة ورفض نهج المفاوضات، ليس بدافع أيديولوجي فقط، بل كرد فعل على عقود من الخداع والوعود الكاذبة والتنازلات المجانية”.
وختم بالقول: “حين تسقط شرعية التفاوض، تبرز المقاومة كخيار وحيد ممكن لردّ الكرامة واستعادة الحقوق المغتصبة”.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني محمد القيق إن “(الدولة الواحدة العنصرية) ما هي إلا نتاج طبيعي للاحتلال والاستعمار، الذي أسّس أنظمة استبدادية لا تعرف الانتخابات ولا تلتزم بدستور، وجعل قراراتها السيادية مرهونة بمزاج الولايات المتحدة و(إسرائيل)، سواء في ما يتعلق بجغرافيا التوسع أو بهيمنة الحالة الأمنية في المنطقة.”
وأوضح في حديث لـ”قدس برس”، أن “الشارع العربي لا يمكنه أن ينتفض أو يقدم شيئًا ملموسًا للقضية الفلسطينية ما دامت القبضة الأمنية لتلك الأنظمة قائمة، كما لا يمكن الرهان على أي مسارات تسوية، لأن التجارب السابقة أثبتت فشلها، بل باتت تُستخدم (إسرائيليًا) كغطاء لمزيد من التوسع”.
وأضاف القيق: “مع سقوط خيار التسوية، تصاعدت نفسية المقاومة في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، وتحوّلت إلى حالة راسخة في الوجدان العام تجاه الاحتلال”.
وأشار إلى أن “الإبادة الجماعية التي ارتكبتها (إسرائيل) في غزة لم تقضِ فقط على أي أمل بقبولها كدولة في المنطقة، بل أثّرت سلبًا على موقعها الاستراتيجي، وأدخلت إلى عقول الشعوب قناعة عميقة بأن التغيير يبدأ بالتخلّص من الأنظمة المتواطئة”.
وتابع: “ثورات (الربيع العربي) التي شهدناها سابقًا، بدأت بالفعل في إنتاج موجات مرتدة، كما نرى في سوريا، وأتوقع أنه مع نهاية هذا العام ستندلع ثورات جديدة ومفاجئة، مدفوعة بتراكم الغضب الشعبي تجاه أنظمة خذلت الشعوب في كل الملفات، وفي مقدمتها فلسطين”.
وختم القيق بالقول: “الاحتلال لم يعد خطرًا على الفلسطينيين فقط، بل أصبح تهديدًا استراتيجيًا لكل العرب، بعدما امتدت جرائمه إلى بيروت ودمشق وصنعاء، وحتى داخل العاصمة الأردنية عمان”.
المصدر: قدس برس
محللون: “إسرائيل” تكرّس واقع الفصل العنصري.. وخيارات التسوية باتت “وهماً” – وكالة قدس برس للأنباء