في تطور لافت يعكس حجم القلق التركي من التحركات الانفصالية في الجنوب السوري، أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان سلسلة من التصريحات الحادة، اتهم فيها الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، بـ”التصرف كوكيل لإسرائيل”، محذراً من أن أنقرة لن تقف موقف المتفرج إذا اتجهت بعض الأطراف في سوريا نحو التقسيم.
وأكد فيدان أن “الشيخ الهجري أبدى رفضاً لأي حل يفضي إلى تحقيق الاستقرار والسلام”، مشدداً على أن “جميع المناطق السورية يجب أن تعود إلى سلطة الحكومة المركزية”، ومشيراً إلى أن “قوى إقليمية، في مقدمتها إسرائيل، لا ترغب بقيام دولة سورية ذات سيادة موحدة”.
تحرك تركي محتمل؟
أثارت تصريحات فيدان تساؤلات حول ما إذا كانت أنقرة تمهّد لتحرك سياسي أو عسكري مباشر في الجنوب السوري، خاصة في ظل تصاعد المؤشرات على دور إسرائيلي متنامٍ في دعم بعض المكونات المحلية تحت شعار “حماية الأقليات”.
وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي التركي حمزة تكين أن تصريحات فيدان تمثل “أوضح موقف تركي حتى الآن تجاه التطورات المتسارعة في سوريا”، مشيراً إلى معلومات لدى أنقرة تفيد بأن “قوى إقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، تسعى جدياً إلى تنفيذ مشروع تقسيم سوريا”، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، ويمنح تركيا ـ بحسبه ـ الحق في التدخل المباشر.
وأوضح تكين، في حديثه لـ”قدس برس”، أن “تركيا تدعم حالياً الحكومة السورية وتنسق معها”، نافياً أن تكون أنقرة قد تأخرت في التحرك، مؤكداً أن “الحوار قائم بين الجانبين، وأن تركيا تتحرك بما يتوافق مع ما تطلبه دمشق”.
تنسيق استخباراتي… وتوقيت محسوب
وبحسب تكين، فإن “التنسيق بين الدولتين يجري على مستوى عالٍ”، مشدداً على أن “أي تدخل علني تركي كبير سيكون بموافقة دمشق، عندما ترى الأخيرة أن الوقت مناسب لذلك”، وأضاف: “ليس كل تعاون يمكن التصريح به إعلامياً، خاصة في الشق الاستخباراتي”.
وأشار إلى أن “تركيا لعبت دوراً مهماً في دعم محاولات إسقاط النظام السوري سابقاً، وهذا الدعم كان عملياً ومباشراً، لكن السياسة التركية قائمة على مبدأ: كل شيء في وقته مناسب”، مؤكداً أن “القرارات الاستراتيجية تُتخذ بالتنسيق مع الدول المعنية، لا تبعاً لتوجهات وسائل التواصل الاجتماعي”.
وتابع: “تركيا لن تسمح بتقسيم سوريا، لا من الجنوب ولا من الشمال، وستتدخل في الوقت المناسب، بالتنسيق مع دمشق”، مضيفاً أن “الصراع التركي الإسرائيلي يتصاعد في الساحة السورية، وأن تركيا تحاول تأجيل المواجهة للحفاظ على مسار إعادة بناء الدولة السورية”.
وأكد أن “الاحتلال الإسرائيلي يسعى لجرّ الأطراف المعنية في سوريا، وعلى رأسها تركيا، إلى مواجهة مباشرة، ما يؤثر سلباً على الدولة السورية ومساعي إعادة الإعمار”، مستدركاً: “لكن تركيا ستتدخل عندما تقتضي مصلحتها ومصلحة دمشق ذلك، كما قال الرئيس أردوغان: من صبر ظفر، وكما قال هاكان فيدان: الدولة تتدخل في النهاية، ولو تأخرت”.
مواجهة علنية محتملة؟
تكين أشار كذلك إلى أن “الصراع الإسرائيلي التركي يتسع ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وقد تندلع مواجهة علنية مباشرة في أي وقت”، كاشفاً عن أن “المواجهة الاستخباراتية بين الجانبين بلغت أعلى مستوياتها حالياً”.
رسائل متبادلة وتصعيد متوقع
من جهته، اعتبر الخبير في الشأن التركي طه عودة أن تصريحات فيدان “تعكس تنامي القلق التركي، لا سيما بعد التحركات الإسرائيلية الأخيرة لدعم الطائفة الدرزية في الجنوب السوري”، مشيراً إلى أن “هذه التحركات تأتي ضمن سياق أوسع لمحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلق حالة من الفوضى في المنطقة”.
وأضاف عودة أن “رسائل واضحة وصلت إلى تركيا من جانب الولايات المتحدة، خاصة بعد الضربات التي استهدفت دمشق مؤخراً”، لافتاً إلى أن “التهديدات باتت الآن على مستوى عالٍ”.
ورغم هذا التصعيد، يرى عودة أن “التهديد التركي لا يعني بالضرورة نشوب مواجهة مباشرة، فقد سبق لوزير الخارجية التركي أن صرّح بأن أنقرة لا تسعى لمواجهة مع إسرائيل”، موضحاً أن “تركيا لا ترغب في منح إسرائيل ذريعة للتدخل المباشر في الأراضي السورية، ما قد يخدم أجندة الاحتلال ويعزز موقف نتنياهو داخلياً”.
حسابات دقيقة وتحالفات مركبة
وأشار عودة إلى أن “الجانب التركي ما زال متردداً بشأن التحرك في سوريا، نظراً لتعقيد المشهد الإقليمي”، موضحاً أن “أنقرة تدعم إدارة السيد الشرع باعتبار أن فشلها سيشكل انتكاسة استراتيجية لتركيا، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل التقارب مع إدارة ترامب”.
وختم عودة بالقول إن “ترجمة التهديدات التركية على أرض الواقع ستتوقف على خطوات أنقرة في المرحلة المقبلة”، مرجحاً أن “تعمل تركيا على حشد دعم عربي وأمريكي لصالح الإدارة السورية، بهدف كبح جماح نتنياهو ووقف محاولاته فرض واقع جديد في الجنوب السوري”.
مفترق طرق
في المحصلة، تبدو تركيا أمام لحظة حاسمة بين التصعيد والتهدئة، وبين خيار التدخل المباشر وحسابات الإقليم المعقدة. فهل تتخذ أنقرة قراراً حاسماً وتنتقل إلى مرحلة الفعل؟ أم تواصل اعتمادها على سياسة “ضبط الإيقاع” و”التدخل في الوقت المناسب؟”.
المصدر: قدس برس
هل نشهد مواجهة بين تركيا و”إسرائيل” في سوريا؟ – وكالة قدس برس للأنباء