يرى محللون وخبراء أن الضفة الغربية تعيش اليوم واحدة من أسوأ حالاتها السياسية والمجتمعية، في ظل شلل مزمن طال الفصائل، وتفكك متسارع في بنية الوعي الوطني، بالتوازي مع هيمنة إسرائيلية أمنية وسياسية تزداد إحكامًا يومًا بعد يوم.
وفي حين يُجمع مراقبون على أن غياب المراجعات الجادة داخل الفصائل، وامتداد التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، شكّلا عاملين مركزيين في تقويض الحالة الفلسطينية في الضفة، فإن الإعلام الإسرائيلي نفسه بات ينظر إلى الفصائل كأجسام بلا تأثير، لا تُرى إلا في البيانات والمناصب، بينما الفعل الحقيقي — بحسب التقديرات العبرية — ينبع من الأجهزة الأمنية الرسمية لا من الأطر السياسية.
ويحذر المحللون في حديثهم لـ”قدس برس”، من أنّ هذا الانهيار لم يأتِ دفعة واحدة، بل نتيجة مسار طويل من الترويض والتفتيت، بدأ بصهر الوعي الفلسطيني، ثم تبليده، وانتهى بـ”خصخصة الألم” وتفكيك القضايا الوطنية الكبرى إلى ملفات معزولة لا يجمعها إطار نضالي موحّد.
فيما تتصاعد التساؤلات حول مستقبل المشروع الوطني، ودور الفصائل، وجدوى وجودها، في وقت تُباد فيه غزة وتُستباح فيه الضفة، دون موقف يُذكر من الجهات التي يُفترض أنها تمثّل الشعب الفلسطيني.
ثلاثية ترويض الضفة
في هذا السياق، قال المحلل السياسي الفلسطيني محمد القيق إن “الضفة الغربية تعاني من حالة شلل مستمرة منذ 16 عامًا، يعود سببها إلى غياب المراجعات الجادة داخل الفصائل الفلسطينية، وإلى الضغط الأمني الإسرائيلي المتواصل، الذي يتقاطع مع التنسيق الأمني الذي تمارسه السلطة الفلسطينية”.
وأوضح القيق في حديث لـ”قدس برس”، أن “هذا التضييق المركب الذي تتعرض له الضفة الغربية قاد إلى ثلاث مراحل متتالية، لكل منها دورٌ عميق في إضعاف الوعي الجمعي الفلسطيني وشلّ الفعل المقاوم”.
وبين أن “المرحلة الأولى تمثلت في صهر الوعي الفلسطيني، إذ لعب الإعلام الموجّه دورًا محوريًا في إعادة تشكيل أولويات الشارع، حيث جرى تهميش قضايا التحرر الوطني، وتراجعت قيمة التضحية، في مقابل تضخيم الاهتمام بالشؤون الفردية والمطالب الحياتية الضيقة”.
وأضاف أن “المرحلة الثانية كانت ترويض الوعي من خلال تعويد المجتمع الفلسطيني على المشاهد الدامية في غزة، والانتهاكات المستمرة في القدس، ما أدى إلى نوع من التبلد العاطفي واللامبالاة”.
واعتبر أن “ذلك جاء نتيجة غسل دماغ منهجي، ارتبط بتكريس خطاب إعلامي وسياسي يروّج للتعايش مع الألم كأمر واقع”.
أما المرحلة الثالثة، فقد وصفها القيق بأنها مرحلة “خصخصة الوجع”، موضحًا أنه “جرى خلالها تفتيت القضايا الوطنية الكبرى إلى ملفات مشتتة؛ مثل قضية اللاجئين، وحق العودة، وهدم المنازل، والشهداء، والجرحى، دون أن يرافقها صوت جماعي موحّد يعبر عنها”.
وأشار إلى أن “هذا التشتت ترافق مع إخماد منظم لدور الفصائل الفلسطينية، ما أضعف البنية السياسية والمجتمعية المقاومة في الضفة الغربية”.
وبين القيق إلى أن “الفصائل نفسها تعاني من خلل داخلي كبير، واختراقات أمنية، سواء عبر التكنولوجيا الإسرائيلية أو من خلال العملاء، ما يعيق أي فعل مقاوم أو حالة نهوض شعبي في الضفة الغربية”.
واختتم حديثه قائلاً: “كل هذه العوامل، التي تراكمت على مدى 16 عامًا، أوصلتنا إلى لحظة يُباد فيها قطاع غزة، وتُعتدى فيها الضفة الغربية، دون أن تتحرك الفصائل. وهذا يطرح تساؤلات جادة حول ضرورة إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني برمّته”.
الحاضر الغائب
من جانبه، قال أستاذ حل النزاعات الإقليمية والدولية علي الأعور ، إن “الإعلام الإسرائيلي ينظر إلى الفصائل الفلسطينية، خصوصًا تلك المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، أو التي تُعد جزءًا من السلطة الوطنية الفلسطينية، أو محسوبة على الرئيس محمود عباس، على أنها (لا وجود لها فعليًا) على الأرض”.
وأضاف الأعور في حديث لـ”قدس برس”، أن “الصحافة العبرية تصف هذه الفصائل بأنها (الحاضر الغائب)؛ إذ تُذكر أسماؤها في المناصب واللجان التنفيذية، لكنها غائبة عن الميدان، ودورها العملي يساوي صفرًا”.
وأوضح الأعور وهو خبير في الشؤون الإسرائيلية أيضاً أن “الإعلام العبري ينظر كذلك إلى حركة (فتح) بوصفها فاعلًا موجودًا من الناحية الشكلية، لكن دون فعالية حقيقية، لا سيما في ظل تعثر المفاوضات، وغياب الاعتراف الإسرائيلي بالسلطة الفلسطينية كشريك تفاوضي. وبالتالي، فإن النظرة الإسرائيلية لـ(فتح) تندرج ضمن السياق نفسه: حضور سياسي، وغياب ميداني”.
وأشار الأعور إلى أن “السؤال الجوهري الذي يطرحه الإعلام الإسرائيلي هو: (من الذي يملك التأثير الحقيقي على الأرض؟)، ويأتي الجواب من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها، التي ترى أن التهديد الحقيقي لا يأتي من الفصائل، بل من الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتحديدًا قوات الأمن الوطني والمخابرات والاستخبارات العسكرية”.
وبيّن أن “الأجهزة الأمنية، التي تضم نحو 50 ألف عنصر، تُثير خشية جهاز (الشاباك) الإسرائيلي، خاصة بعد تنفيذ عمليات مقاومة من داخل صفوف هذه الأجهزة”.
ولفت إلى أن “من أبرز هذه العمليات، ما نفذه أحد عناصر الاستخبارات العسكرية في مستوطنة (تعنائيل)، والعملية التي نُفذت قبل أسبوع في منطقة (غوش عتصيون) على يد اثنين من ضباط الشرطة الفلسطينية، الذين تخرجوا مؤخرًا من دورة تدريبية في العاصمة القطرية الدوحة”.
وقال إن “هذه الحوادث دفعت جهاز (الشاباك) للمطالبة بفتح تحقيقات داخلية، وإجراء فحوصات أمنية شاملة لكل الضباط الذين شاركوا في تلك الدورة”.
وفيما يتعلق بالموقف من الحرب على غزة، أشار الأعور إلى أن “الإعلام العبري ينظر إلى الفصائل الفلسطينية، لا سيما في رام الله والمدن الأخرى في الضفة، على أنها عاجزة وغير فاعلة، ولم تظهر أي تحرك جاد لدعم غزة أو إغاثتها، لا على مستوى الميدان ولا حتى في المواقف الرمزية أو السياسية”.
وأضاف أن “بعض الفصائل اكتفت بتحركات بسيطة وهامشية لا ترقى إلى حجم المسؤولية، بل إن موقفها من الحرب على غزة جاء باهتًا ومُخجلاً في بعض الأحيان”.
واعتبر الأعور أن “الاحتلال الإسرائيلي، ممثلًا بجهاز (الشاباك) يراقب المشهد في الضفة الغربية عن كثب، ويشعر أن الأوضاع تحت السيطرة، في ظل التنسيق الأمني الوثيق مع السلطة الفلسطينية”.
وأكد أن “إسرائيل لا ترى في اجتماعات الفصائل أي قيمة تُذكر، وأن موقفها من الحرب على غزة لم يكن فقط ضعيفًا، بل في بعض الحالات يُفهم منه أنه يصب في مصلحة الخلافات الفصائلية الداخلية”.
واختتم الأعور حديثه بالتأكيد على أن “الإعلام العبري لا يرى في الفصائل الفلسطينية أي تهديد حقيقي، باستثناء الأجهزة الأمنية التي ما زالت تُشكّل عنصر قلق في الحسابات الإسرائيلية، بسبب احتمال تنفيذ عمليات مفاجئة من داخل صفوفها”.
وترتكب “إسرائيل” منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبدعم أميركي، إبادة جماعية في قطاع غزة، تشمل قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 200 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين بينهم أطفال، فضلا عن دمار واسع.
المصدر: قدس برس