تصاعد الهجوم في الأوساط الإسرائيلية، السبت، على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خلفية تجاهله للتحذيرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
إذ حمّله سياسيون وإعلاميون مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات لمنع الهجوم رغم تحذيرات من جهات عدة قيل إنه تلقاها، مدفوعا بـ”تكبره وتعجرفه”، واتهموه بارتكاب “جريمة جسيمة” جراء تجاهله وإخفائه معلومات بشأن هذه التحذيرات، وربط آخرون ذلك بسقوط عدد كبير من القتلى الإسرائيليين خلال الهجوم.
وتصاعدت الاتهامات بالتزامن مع تقارير إسرائيلية ودولية تحدثت عن تحذيرات سبقت الهجوم من مصر والإمارات ومن داخل إسرائيل، وسط نفي من مكتب نتنياهو لبعض هذه الروايات.
وفي أحدث ما نُشر بهذا الشأن، نقلت صحيفة “هآرتس” العبرية، اليوم، ادعاءات لمجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية، مفادها أن رئيس المخابرات العامة المصرية آنذاك عباس كامل “زار إسرائيل سرا في 26 سبتمبر/ أيلول 2023″، أي قبل الهجوم بـ11 يوما، و”حذر من أن حركة حماس تستعد لشن هجوم كبير”.
وبحسب ما أورده التحقيق، “نقل كامل تحذيرا من أن الوضع في غزة يتجه نحو الانفجار إذا لم تغير إسرائيل سياستها تجاه القطاع”.
ولم يصدر عن السلطات المصرية، حتى الساعة 15:00 ت.غ، تعليق رسمي يؤكد أو ينفي ما أورده تحقيق “ذا أتلانتيك” بشأن الزيارة والتحذير المنسوب إلى كامل.
كما نشرت “هآرتس”، في 8 سبتمبر الجاري، تحقيقا ادعت فيه أن رئيس الإمارات محمد بن زايد “حذر نتنياهو قبل نحو 10 أيام من هجوم 7 أكتوبر، من أن حماس تستعد لهجوم كبير”.
وقالت الصحيفة إن نتنياهو لم ينقل التحذير إلى كبار المسؤولين الأمنيين.
ونفى مكتب نتنياهو الرواية، وقال إنه لم يتحدث مع محمد بن زايد خلال الفترة المعنية ولم يتلق تحذيرا منه، وأعلن رفع دعوى تشهير ضد “هآرتس” والصحفيين المسؤولين عن التقرير.
فيما قالت الخارجية الإماراتية إن الحكومة “لا تعلق على ما ينشر في وسائل الإعلام من تقارير أو تكهنات بشأن المحادثات بين قادة الحكومات”.
وأشارت الوزارة إلى أن الجهات الحكومية في كل من الإمارات وإسرائيل “حافظت، منذ بدء العلاقات بين البلدين قبل أكثر من 5 سنوات، على قنوات اتصال مفتوحة ومباشرة”.
وأكملت: “وعند الحاجة، جرى ولا يزال تبادل جميع المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة بين الجهات المعنية”.
وفي موازاة ذلك، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، اليوم، أن نتنياهو تلقى تحذيرات من أجهزة أمنية إسرائيلية بشأن احتمال شن هجوم، لكنه لم يعقد اجتماعا لمناقشتها.
وأضافت، نقلا عن مسؤولين أمنيين لم تسمهم، أن نتنياهو لم يبلغ جهاز الأمن العام “الشاباك”، أو جهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، أو شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، بشأن تلك التحذيرات.
** “تجاهل وأخفى المعلومات”
وتعقيبا على ما نُشر، قال فلاديمير بيالك، عضو الكنيست عن حزب “هناك مستقبل” الذي يقوده زعيم المعارضة يائير لابيد، إن مثل هذه التحذيرات “لم تؤد إلى تغيير في السياسة أو أي استعداد كاف من حكومة نتنياهو”.
وأضاف بيالك، في بيان، أن “تجاهل نتنياهو لجميع التحذيرات التي صدرت قبل 7 أكتوبر تسبب في مقتل 1200 إسرائيلي في يوم واحد”، وفق تعبيره.
وحمل نتنياهو “مسؤولية المجزرة المروعة التي وقعت”، على حد قوله.
** جريمة جسيمة
وبموقف مماثل، قال الكاتب الإسرائيلي في “يديعوت أحرونوت” يائير نافوت إن “هذا التحذير يعطينا صورة قاتمة للواقع، ولم يكتف نتنياهو بتجاهل ما نُقل إليه، بل اختار أيضا إخفاء المعلومات التي تلقاها”.
وأضاف نافوت، في منشور عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية، أن “تجاهل وإخفاء هذه المعلومات أدى فعليا إلى إضعاف جاهزية قوات الأمن بشكل كبير”، وفق قوله.
واعتبر أن التعامل المختلف مع تلك المعلومات كان من شأنه تقليل تداعيات الهجوم أو تأخيره أو منع بعضها.
ووصف تصرف نتنياهو بأنه “جريمة جسيمة يصعب المبالغة في وصف خطورتها”، رابطا ذلك برفض رئيس الوزراء الإسرائيلي تشكيل لجنة تحقيق رسمية واسعة الصلاحيات في أحداث 7 أكتوبر.
وطالب نتنياهو بتقديم “إجابات واضحة” بشأن المعلومات التي تلقاها وكيفية التعامل معها، قائلا إنه “يخشى كشف الحقيقة”.
** “متعجرف ومتكبر”
أما الضابط السابق في استخبارات الجيش الإسرائيلي باراك سيري، فقال إن نتنياهو “يبذل كل جهده لمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية”.
وأضاف سيري، في منشور عبر “إكس”، أن نتنياهو تلقى “تحذيرات كثيرة سبقت الهجوم، لكنه كان متعجرفا ومتكبرا ولم يتخذ إجراءات”، وفق تعبيره.
وتابع: “الشهادات ظهرت في نشرات إعلامية في جميع أنحاء العالم، لقد حذروه وأنذروه، لكنه تجاهل كل شيء”.
ورأى أن ما تكشف عن تلك التحذيرات يقف وراء معارضة نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية.
وختم منشوره بالقول: “الآن تتضح الحقائق: قبل أيام من الكارثة أضيئت جميع الإشارات الحمراء أمام نتنياهو، داخل البلاد وخارجها، لكنه لم يفعل شيئا”.
ومرارا، رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق “رسمية” بصلاحيات واسعة بشأن إخفاق 7 أكتوبر، ودعا إلى تشكيل لجنة “سياسية” بصلاحيات محدودة، وهو ما رفضته المعارضة، واعتبرته محاولة من رئيس الوزراء من أجل “البقاء في الحكم”.
** “جاذبية نتنياهو ولّت”
من جانبها، رأت الرئيسة السابقة لحزب “ميرتس” زهافا غالئون أن نتنياهو يواجه استنزافا سياسيا متزايدا على خلفية ملف 7 أكتوبر.
وقالت، في منشور عبر “إكس”، إن “زمن سحر الجاذبية بالنسبة لنتنياهو قد ولّى”.
** سمع وتجاهل
كما قال إعلامي ومقدم برامج في إذاعة الجيش الإسرائيلي يُدعى روني تسرور، في منشور عبر “إكس”: “نتنياهو سمع وتجاهل.. عرف وتجاهل”.
وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تلقى “تحذيرات عديدة من هنا وهناك، ولكنه تغافل عنها وتجاهلها”.
ويأتي تصاعد الهجوم ضد نتنياهو بشأن دوره في الفشل في منع هجوم 7 أكتوبر مع احتدام الحملات والسجال السياسي قبيل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في وقت تظهر فيه استطلاعات حديثة تقدم المعارضة، بينما يبقى تحالفه دون الأغلبية اللازمة لإعادة تشكيل الحكومة.
** خلفية 7 أكتوبر
وفي 7 أكتوبر 2023، شنت حركة “حماس” وفصائل فلسطينية هجوما على مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية بمحاذاة قطاع غزة، أسفر عن مقتل وأسر إسرائيليين.
وقالت “حماس” إن الهجوم جاء ردا على “جرائم الاحتلال اليومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى”.
وأكدت الحركة أن عمليتها استهدفت بالأساس أهدافا عسكرية، وأن تعليماتها للمقاتلين كانت تجنب استهداف المدنيين.
كما عزت مقتل وإصابة مستوطنين إسرائيليين خلال الهجوم إلى حالة الفوضى التي أعقبت اختراق السياج ودخول أشخاص من غزة وعناصر من فصائل أخرى قالت إنهم لم يكونوا ضمن خطتها، كما نسبت مقتل بعض الإسرائيليين إلى نيران القوات الإسرائيلية.
وفي اليوم التالي للهجوم، بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، حرب إبادة على قطاع غزة، ما تزال متواصلة بأشكال مختلفة، حيث خلفت قرابة 74 ألف شهيد فلسطيني ونحو 175 ألف مصاب، فضلا عن دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية في القطاع.
رأي اليوم