في مطلع التسعينيات، مع تولّي السيد حسن نصر الله قيادة حزب الله عقب استشهاد السيد عباس الموسوي، بدأت المقاومة اللبنانية مرحلة جديدة في مواجهة الاحتلال. دخلت صواريخ “الكاتيوشا” المعادلة، وتبلور توجّه يسعى إلى تقييد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بفرض كلفة للعدوان، مع استمرار مقاومة الاحتلال.
أضاف استشهاد نجله هادي في مواجهة مع الاحتلال عام 1997 بُعداً شخصياً إلى علاقة السيد نصر الله. وقد أشارت وكالة “رويترز”، في استعادتها لمسيرته، إلى أثر هذه الخسارة في تعزيز مكانته داخل بيئته.
ويمكن فهم ذلك بوصفه أحد منابع المصداقية التي رأى فيها مؤيّدوه اقتراباً بين خطاب القيادة وتجربتها الخاصة مع الفقد.
ثم جاء تحرير معظم الجنوب اللبناني عام 2000، لتكتسب هذه المصداقية أساساً سياسياً أوسع مع انسحاب “جيش” الاحتلال بعد سنوات من المقاومة. وبعد ذلك، جاءت مواجهة عام 2006 التي جعلت السيد نصر الله موضع متابعة خارج لبنان. من هذه التجربة وما تلاها من أحداث ومعادلات ردع وتحوّل حزب الله إلى قوة إقليمية، يمكن فهم جانب من وقع السيد نصر الله خارج بيئته. تداخلت شخصيته وخطاباته الجريئة مع تجربة سياسية وعسكرية قابلة للمتابعة واستخلاص الدروس. ولدى المتأثّرين بها، اتّخذ حضوره معاني متعدّدة باعتباره نموذجاً للقيادة، ودليلاً على إمكان مواجهة قوة متفوّقة، وشكل رمزاً لمناهضة الاحتلال والهيمنة.
الكاريزما وقوة الحضور
تميّز السيد حسن نصر الله بكاريزما وفنّ في الخطابة جعلا إطلالاته موضع متابعة تتجاوز جمهوره وحدود بلده، فأصبح ينتظره المؤيّد ليستمع إلى موقفه، ويتابعه العدو ليفهم رسائله ويقدّر خطواته. امتلك قدرة على الانتقال من شرح الحسابات السياسية المعقّدة إلى مخاطبة الناس بلغتهم اليومية.
وكان يعرف كيف يمنح التفاصيل معنى سياسياً من خلال ربط حادثة ميدانية بمسار المواجهة، وشرح خلفيات القرار، ووضع الاحتمالات أمام المستمع. بهذه الطريقة، منح المتابع شعوراً بأنّه معنيّ بما يسمع، وقادر على فهم ما يجري والمشاركة في النقاش حوله. واجتمعت في خطابه لغة القائد الذي يعلن موقفاً، والمحاور الذي يناقش الاعتراضات، والخطيب الذي يلتقط غضب جمهوره ومخاوفه وتطلّعاته.
ومن هذا التداخل بين الشخصية والموقع السياسي، اكتسب حضوره ثقله. فالكلمة التي ينطق بها تُقرأ في ضوء قراراته وتجربة التنظيم الذي يقوده، ويبحث فيها المؤيّد والخصم عن مؤشّرات لما سيأتي. هكذا أصبحت إطلالته حدثاً سياسياً بحدّ ذاتها، واتّسعت دائرة متابعته لتشمل مَن يؤمن بمشروعه، ومَن يعارضه، ومَن يريد فهم المنطقة من خلال أحد أبرز الفاعلين فيها.
في الوجدان العربي.. تجربة تتجاوز حدود لبنان
وفي تونس، تجاوز التفاعل التضامنَ في الشارع إلى التفكير في دلالات التجربة. فبعد حرب 2006، توقّع الفيلسوف فتحي التريكي، في حديث لصحيفة “الصباح”، انتشار نموذج المقاومة اللبنانية، مستحضراً تجربة فيتنام. واعتبر النقابي عبد المجيد الصحراوي أنّ نتائج المواجهة ستؤثّر في خطاب النخب والأحزاب والمنظمات الجماهيرية العربية. تكشف الشهادتان كيف تلقّت أوساط تونسية التجربة باعتبارها مصدراً لدروس سياسية تتجاوز الساحة اللبنانية.
وظهرت إحدى صور هذا الحضور في مصر، خلال الحرب على غزة ولبنان. ففي أيلول 2024، ردّد مشاركون في وقفة نظّمها شباب حزب الكرامة في الدقي: “يا نصر الله يا حبيب، اضرب دمّر تل أبيب”. جاء الهتاف ضمن احتجاج على العدوان، بالتزامن مع مطالب قوى معارضة مصرية بمساندة لبنان وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاحتلال. ولا شكّ أنّ في استدعاء اسمه في هذا المشهد بوصفه تعبيراً عن موقع اكتسبه لدى هؤلاء المتظاهرين: قائد يرون في مواجهته امتداداً لقضية تعنيهم.
ولم يقتصر رصد هذا الحضور العربي على المظاهرات والشهادات. ففي استطلاع الرأي العام العربي لعام 2008، الذي أشرف عليه شبلي تلحمي بالتعاون مع “زغبي إنترناشونال”، وشمل مصر والأردن ولبنان والمغرب والسعودية والإمارات، تصدّر نصر الله إجابات المشاركين عن القائد العالمي الأكثر إثارة لإعجابهم خارج بلدهم، بنسبة 26%، مقارنة بـ14% في استطلاع عام 2006. وهي نتيجة تؤشّر إلى مكانته في تلك المرحلة ضمن البلدان المشمولة.
وفي فلسطين، اتّخذ التأثّر بالتجربة اللبنانية وجهاً سياسياً وتنظيمياً. فقد أشار تقرير لخدمة أبحاث “الكونغرس” الأميركي، محدّث في أيلول 2006، إلى أنّ حزب الله أدّى في بعض الجوانب دور النموذج لحركة حماس، التي سعت إلى الاقتداء بنجاحه السياسي والإعلامي. ويحدّد هذا التقدير مجالاً ملموساً لانتقال أثر التجربة التي قادها السيد حسن نصر الله من حيث بناء الحضور السياسي، وإيصال خطاب المقاومة، وتحويل الإنجاز الميداني إلى تأثير يتجاوز ساحة القتال.
اليمن.. من الإعجاب إلى الاستلهام
في اليمن، عبّر محمد البخيتي عن هذا الأثر بصورة مباشرة. ففي مقابلة مع الميادين، في 23 أيلول 2026، قال عضو المكتب السياسي في حركة أنصار الله اليمنية: “كان السيد حسن نصرالله حاضرًا في كل بيت، ولولا حزب الله لما كان هناك أنصار الله في اليمن، لأن تيار أنصار الله تأثر بمدرسة حزب الله والسيد نصرالله”. وأضاف: “لولا حزب الله والسيد نصر الله لكان اليمن ما زال يدور في الفلك الأميركي ولا يملك السيادة”.
وتضع شهادة البخيتي التأثير في مستوى يتجاوز الإعجاب الشخصي، إذ تنسب إلى التجربة اللبنانية دوراً في تشكيل توجّه حركة أخرى ونظرتها إلى قدرة بلدها على امتلاك قرار مستقل. وما انتقل، وفق روايته، هو أيضاً الثقة بإمكان الفعل والتطلّع إلى دور في قضايا المنطقة.
وقد تناولت دراسة نشرتها مجلة “سرفايفل” عام 2023 التأثير الفكري لحزب الله في أنصار الله ومحاولات الاقتداء به، بما يتجاوز الاقتصار على بحث المساعدات العسكرية.
وفي الإقليم، اكتسب حضور السيد حسن نصر الله بُعداً يتصل بالعلاقات بين قوى المقاومة. فبحسب دراسة نشرها معهد “تشاتام هاوس” عام 2025، اضطلع مع حزب الله بدور محوري في الربط والتوجيه الاستراتيجي داخل محور المقاومة، ولا سيما بعد استشهاد القائد الحاج قاسم سليماني في العام 2020. واقترن التأثير بتبادل الخبرات والمشورة والتنسيق، مع بقاء خصوصية كل ساحة.
أممية النضال.. التقاء يتجاوز العقيدة
على المستوى الدولي، كان لافتاً أن تجد التجربة صداها لدى شخصيات لا تتبنّى مرجعية حزب الله الدينية. ففي أثناء حرب تموز 2006، توقّع المفكّر الأميركي نعوم تشومسكي أن يصبح السيد حسن نصر الله، سواء بقي حياً أو “قُتل”، رمزاً أكثر أهمية لمقاومة العدوان الأميركي الإسرائيلي.
وفي بريطانيا، وثّقت وكالة الصحافة الفرنسية تفاعل متظاهرين مناهضين للحرب في لندن مع إشادة النائب جورج غالاوي بالسيد نصر الله وحزب الله. يعكس ذلك حضور التجربة داخل أوساط احتجاجية في الغرب نفسه، تتقاطع معها في رفض الحرب والسياسات الداعمة للاحتلال.
وفي العلاقة مع فنزويلا، اتّخذ التضامن طابعاً متبادلاً. ففي أيلول 2006، وثّقت وكالة الصحافة الفرنسية ملصقات في الضاحية الجنوبية تشكر هوغو تشافيز على موقفه من الحرب، وتجمع صورته بصورة السيد نصر الله. وبعد استشهاد نصر الله في أيلول 2024، أعلن نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي المخطوف حالياً، التضامن مع حزب الله وعائلته والشعب اللبناني باسم القوى البوليفارية الفنزويلية.
وفي جنوب أفريقيا، عبّر الحزب الشيوعي عن هذا الالتقاء بلغة مناهضة الإمبريالية. ففي بيان أصدره في 30 أيلول 2024، أدان اغتيال السيد حسن نصر الله والاعتداءات على لبنان، ووضعها في سياق تهديد السيادة اللبنانية وتصعيد المواجهة مع القوى المناهضة للهيمنة. ودعا إلى التضامن الدولي مع الشعب اللبناني دفاعاً عن استقلاله وسيادته. وبهذا البيان، أوضح الحزب الشيوعي أنّه يرى في الاعتداء على لبنان امتداداً للصراع مع الاستعمار والإمبريالية، ويحدّد موقفه منه انطلاقاً من هذه القراءة.
جسّدت تجربة السيد الأمّة السيد حسن نصر الله بُعداً من “أممية النضال”، إذ وجدت فيها قوى من خلفيات فكرية وسياسية مختلفة امتداداً لقضاياها، والتقت حول رفض الاحتلال والهيمنة من دون أن تتطابق عقائدها أو برامجها. ومن لبنان إلى عالم الجنوب، نشأت صلات تضامن بين تجارب متباعدة جغرافياً، ترى كلّ منها في صمود الأخرى دعماً لحقّها في التحرّر والسيادة. هكذا اكتسب السيد نصر الله، لدى المتأثّرين بتجربته، مكانة قائد تجاوز أثره حدود بلده، وأصبح رفضه للخضوع مصدر إلهام لآخرين في نضالهم من أجل تقرير مصيرهم.
بعد الرحيل.. ما الذي استمر؟
منذ إعلان استشهاد السيد نصر الله، خرجت تظاهرات وأُقيمت وقفات في دول مختلفة، استنكاراً لاستهدافه وتكريماً لذكراه. اجتمع فيها شباب وشابات من أصول وأديان وثقافات متعدّدة، وجدوا في تجربته ما يتّصل بقضاياهم وتطلّعاتهم. وفي هذا التضامن العابر للحدود، تجلّى جانب ممّا زرعه: أن تتجاوز مناصرة المظلوم حدود الانتماء، وأن تصبح حرية شعب قضيةً يحملها آخرون، مهما ابتعدت المسافات.
رأى هؤلاء فيه نموذجاً لقائد قال “لا” للهيمنة والاستكبار، وحمل تبعات موقفه، ومنح هذا الرفض معنى يتجاوز الاحتجاج إلى التنظيم والعمل. ومن تجربته، استمدّوا قناعةً بأنّ الهيمنة ليست قدراً، وأنّ رفضها يمكن أن يصبح مشروعاً له أدواته وقدرته على التأثير، فهو قال بدماءه، إنّ اختلال موازين القوة لا يسلب الشعوب حقّها في الكرامة وتقرير المصير، ولا يلغي قدرتها على صنع مستقبلها.
أصبحت تجربته، كقائد أممي، جزءاً من وعي أناس لم يلتقوه، يحملون ما استلهموه منها في مواقفهم وأعمالهم، وينقلونه إلى أجيال جديدة عبر ما يروونه ويعلّمونه ويفعلونه من أجل قضاياهم. بذلك، يجد مَن يأتي بعدهم في هذه التجربة ما يعينه على رفض الظلم والثقة بقدرته على التغيير. فما زُرع في الوعي لا ينتهي برحيل صاحبه، وحصاده تصنعه الأجيال.
الميادين
السيد حسن نصر الله خارج حدود لبنان.. كيف قرأه أحرار العالم؟ | الميادين