عبد الباري عطوان
في ذروة انشغالها بتطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ومتابعة تصريحات الرئيس دونالد ترامب ذات الطابع الهذياني، شهدت المنطقة زيارة تاريخية للرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر تكللت بالتوصل إلى 5 اتفاقات استراتيجية تشمل صفقات طائرات صينية متطورة جداً، ومنظومات دفاعية صاروخية، وتوطيناً فعلياً للصناعات العسكرية والتكنولوجية الصينية الحديثة في مصر، واقتراحاً صينياً ببناء هيكل أمني جديد في منطقة الشرق الأوسط يعمق الشراكة والتنسيق الاستراتيجي الشامل بين البلدين.
صحيح أن التعاون الاستراتيجي العسكري بين البلدين احتل المرتبة الأولى لهذه الزيارة التاريخية للرئيس الصيني والوفد الكبير جداً المرافق له، ولكن الجانب الاقتصادي احتل مكانة بارزة أيضاً حتى جرى توقيع 20 وثيقة تعاون في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، والمواصلات والسيارات والقطارات الكهربائية والثقافة والإعلام، فحجم التبادل التجاري بين البلدين في ارتفاع بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة سنوياً، ووصل إلى 20 مليار دولار عام 2025 بالمقارنة بالعام الذي سبقه (17 مليار دولار).
***
باختصار شديد أثبتت هذه الزيارة للرئيس الصيني لمصر (بدأت يوم الثلاثاء الماضي في 1 أيلول (سبتمبر) واستمرت لثلاثة أيام)، أن القاهرة تسعى لوضع حد للتفوق العسكري الجوي الإسرائيلي، بالطائرات ثابتة الأجنحة، أو المسيّرات، فقد حصلت مصر على منظومة الدفاع الصينية من طراز (HQ-9B) طويلة المدى (300 كم) التي تملك قدرات ضخمة ودقيقة لاعتراض الصواريخ الباليستية، والمقاتلات الجوية، ويتردد في الأوساط الاستخبارية السرية أن مصر على وشك الحصول على الطائرات الصينية المسيّرة (Wing Loong 2)، وشراء 6 طائرات من طراز (YY-20B ) للتزود بالوقود بالجو، في إشارة إلى وجود نوايا مصرية لتوجيه ضربات لسد النهضة في حال انخفاض حصة مصر من مياه النيل وتهديد الأمن المائي المصري.
ولعل أكثر ما يقلق إسرائيل ويهدد تفوقها الجوي، موافقة صينية أولية على شراء مصر المقاتلة الصينية (جي 16) التي جرى اختبارها في المناورة المصرية الصينية جنباً إلى جنب مع طائرة الرافال الفرنسية، جوهرة سلاح الجو المصري، وكانت مصر اشترت 10 طائرات مقاتلة من طراز “جي 10” الصينية لكي تحل محل الطائرة الأمريكية “إف 16”.
مصر بدأت الخروج بسرعة من تحت المظلة العسكرية الأمريكية، وتبدأ مسيرة الهجرة إلى السلاح الصيني، حيث لا قيود على الطائرات الحربية واستخداماتها، خاصة أن الطائرات الصينية المقاتلة فاجأت العالم بأسره في الحرب الهندية الباكستانية الأخيرة بقدراتها العالية في التفوق على الطائرات الأمريكية التي كانت في حوزة الجيش الهندي خاصة “إف 16″ و”إف 15” وباقي الإفات الأخرى.
مصر التي باتت تدير ظهرها للهيمنة الأمريكية على مقدّراتها الدفاعية، ليست مجرد سوق اقتصادية أو عسكرية كبيرة، وإنما دولة محورية تقع عند ملتقى القارات، وممر رئيسي للتجارة العالمية عبر قناة السويس، وبوابة عالية الأهمية إلى القارة الأفريقية والعالم العربي.
***
زيارة الرئيس الصيني التاريخية لمصر والنتائج التي تمخضت عنها، خاصة في المجالين العسكري والاقتصادي، ربما تتطابق حرفياً بالانتقال الحاسم للرئيس الراحل جمال عبد الناصر من المعسكر الغربي إلى المعسكر الشرقي بقيادة روسيا، والرد على الأسلحة البلجيكية، ورفض تمويل بناء السد العالي، بزيارة موسكو الشهيرة، مصر تظل بيضة القبان، ولا يمكن أن ننسى أن حرب عدوان السويس عام 1956 التي جرت على أرضها كانت بداية انهيار أكبر إمبراطوريتين استعماريتين غربيتين هما بريطانيا وفرنسا، والاتجاه شرقاً إلى الصين قد يكون بداية الطريق لاستعادة دورها القيادي الاستراتيجي في المنطقة.. والأيام بيننا.
رأي اليوم