You are currently viewing إيران والحرب الاقتصادية: كيف تحاول طهران كسر الحصار؟

إيران والحرب الاقتصادية: كيف تحاول طهران كسر الحصار؟

ليست الحرب الاقتصادية على إيران ملفاً يتعلق بالعقوبات والقيود المالية. فمنذ سنوات، تحولت العقوبات إلى جزء أساسي من الصراع بين طهران وواشنطن وحلفائهما، واستهدفت قطاعات حيوية مثل النفط والمصارف والشحن والتكنولوجيا، على أمل دفع الاقتصاد الإيراني إلى نقطة يصعب معها على الدولة الاستمرار بالسياسات نفسها.
لكن النتيجة لم تكن انهيار الاقتصاد الإيراني، كما توقع بعض خصوم طهران. في المقابل، لم تنجح إيران أيضاً في تجاوز آثار العقوبات بالكامل. فقد تركت القيود الخارجية آثاراً واضحة على العملة والتضخم والاستثمار والتجارة، وفرضت على الاقتصاد الإيراني البحث باستمرار عن طرق جديدة للتكيف.
السؤال الأهم، إذن، ليس ما إذا كانت العقوبات قد أثرت في إيران، فهذا أمر يصعب إنكاره، وإنما: كيف استطاعت طهران الاستمرار رغم هذا الضغط الطويل؟

أحد المفاتيح هو الاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج المحلي. فقد دفعت العقوبات إيران إلى تطوير قدرات داخلية في مجالات متعددة، من الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات إلى الأدوية والزراعة وبعض التقنيات المتقدمة. وفي قطاعات كانت تعتمد سابقاً بدرجة كبيرة على الاستيراد، حاولت الشركات الإيرانية إنتاج بدائل محلية أو إيجاد مصادر جديدة للمواد وقطع الغيار.
هذا المسار لا يعني أن إيران حققت اكتفاءً ذاتياً كاملاً؛ فهذا توصيف مبالغ فيه. لكنها استطاعت، في بعض المجالات، تقليل درجة اعتمادها على الخارج، وهو ما منحها هامشاً أكبر للمناورة عندما أصبحت قنوات الاستيراد التقليدية أكثر صعوبة.
العامل الثاني هو تنويع الشركاء الاقتصاديين.
خلال السنوات الماضية، توسعت علاقات إيران التجارية والاقتصادية مع الصين وروسيا وعدد من الدول الآسيوية، إضافة إلى علاقات مع دول في مناطق أخرى من العالم. والهدف واضح: تقليل الاعتماد على الأسواق والمؤسسات المالية الغربية، وفتح قنوات بديلة للتجارة والطاقة والاستثمار.
العلاقات مع الصين وروسيا، على سبيل المثال، لا يمكن اختزالها في صفقات تجارية منفصلة؛ فهي جزء من تحول أوسع في السياسة الاقتصادية الإيرانية نحو الشرق. كما أن استخدام العملات المحلية أو آليات المقايضة في بعض التعاملات يمكن أن يقلل من الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي، وإن كان لا يلغي الحاجة إليه بالكامل.
وهنا تظهر نقطة مهمة: الالتفاف على العقوبات لا يعني إلغاء العقوبات. طهران استطاعت إيجاد مسارات بديلة، لكنها تدفع في المقابل تكاليف اقتصادية وسياسية لهذه المسارات، سواء من حيث ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أو صعوبة تحويل الأموال والوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.
العامل الثالث يتمثل في تطوير شبكات مالية وتجارية بديلة.
مع تضييق الخناق على البنوك الإيرانية، اتجهت طهران إلى استخدام ترتيبات مالية مختلفة لتسهيل تجارتها الخارجية، إلى جانب تطوير مسارات شحن ونقل أكثر تعقيداً. كما لعبت الشركات والوسطاء والأسواق الإقليمية دوراً في إبقاء جزء من التجارة الإيرانية قائماً.
هذه الأدوات لا تجعل العقوبات بلا تأثير، لكنها تجعل من الصعب أحياناً تحقيق الهدف الأقصى منها، أي إغلاق جميع منافذ الاقتصاد الإيراني في الوقت نفسه.
أما العامل الرابع فهو قدرة الدولة على إدارة آثار الضغط الداخلي.
العقوبات لا تُقاس فقط بحجم الصادرات أو حركة المصارف. تأثيرها الحقيقي يظهر في حياة الناس: الأسعار، فرص العمل، القدرة الشرائية، وتكاليف الغذاء والدواء والسكن. ولذلك فإن استمرار الاقتصاد الإيراني يعتمد أيضاً على قدرة الحكومة على احتواء هذه التداعيات، ودعم الفئات الأكثر تضرراً، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
وهنا تحديداً تصبح الصورة أكثر تعقيداً. فالصمود الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن المواطن الإيراني لم يتأثر. بالعكس، ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة والضغوط المعيشية تؤكد أن العقوبات تركت كلفة حقيقية، حتى لو لم تحقق هدف إسقاط النظام الاقتصادي.
هناك أيضاً عامل آخر لا يمكن تجاهله: الطاقة.
إيران دولة نفطية وغازية مهمة، وتمتلك موقعاً جغرافياً يجعلها لاعباً مؤثراً في أسواق الطاقة الإقليمية. لذلك تستطيع طهران استخدام موقعها ومواردها في بناء علاقات اقتصادية وسياسية مع دول أخرى، كما أن أي أزمة واسعة في سوق الطاقة يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدود إيران نفسها.
لكن الحديث عن “ردع اقتصادي” يجب أن يكون دقيقاً. فإيران تملك أوراقاً مؤثرة في الطاقة والتجارة الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على استمرار قدرتها على تصدير النفط والحصول على عائداته. وبالتالي فإن استخدام الاقتصاد كسلاح يبقى عملية شديدة الحساسية، وقد تكون له تكلفة على الطرفين.
بعد سنوات طويلة من العقوبات، يمكن القول إن إيران طورت نموذجاً اقتصادياً يقوم على التكيف أكثر من تجاوزه للعقوبات. فهي لم تتمكن من التخلص من آثار الحصار، لكنها تعلمت كيفية العمل في بيئة اقتصادية مغلقة جزئياً، والاستفادة من الشركاء الخارجيين، وتطوير قدرات محلية، وخلق قنوات بديلة للتجارة.
وهذا ربما هو الجانب الأكثر أهمية في التجربة الإيرانية.
فالهدف الأصلي للعقوبات كان، في جانب منه، استخدام الضغط الاقتصادي لتغيير حسابات القيادة الإيرانية. لكن استمرار العقوبات لسنوات طويلة دفع طهران أيضاً إلى تغيير طريقة إدارتها للاقتصاد وعلاقاتها التجارية، وجعل فكرة الاعتماد على الغرب أقل حضوراً مما كانت عليه في مراحل سابقة.
مع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل هذه التجربة إلى قصة نجاح مطلقة. الاقتصاد الإيراني ما زال يواجه مشكلات كبيرة، من التضخم وتراجع العملة إلى محدودية الاستثمار الأجنبي والقيود على التكنولوجيا والأسواق المالية. كما أن تكلفة الالتفاف على العقوبات ليست بسيطة، وهي في النهاية تُدفع من موارد الدولة ومن قدرة المواطنين الشرائية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة هو: هل تستطيع إيران تحويل قدرتها على الصمود إلى نموذج اقتصادي مستدام؟
الإجابة ستتوقف على أكثر من العقوبات نفسها. ستتعلق بقدرة طهران على تحسين الإنتاجية، وجذب الاستثمار، وتقليل الفساد والبيروقراطية، وتطوير التكنولوجيا، وتحقيق توازن بين الاقتصاد الموجه من الدولة والقطاع الخاص، إضافة إلى إدارة علاقاتها مع القوى الاقتصادية الكبرى.
بعبارة أخرى، العقوبات قد تكون عاملاً مهماً في تفسير الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الإيراني، لكنها ليست التفسير الوحيد لكل مشكلاته.
وفي النهاية، تكشف التجربة الإيرانية أن العقوبات يمكن أن تكون مؤثرة من دون أن تكون حاسمة. تستطيع أن ترفع تكلفة التجارة، وتضغط على العملة، وتحد من الاستثمار، لكنها لا تضمن وحدها تغيير السلوك السياسي لدولة تمتلك موارد طبيعية كبيرة، وسوقاً محلية واسعة، وقدرة على بناء علاقات اقتصادية بديلة.
ولهذا فإن المعركة الاقتصادية بين إيران وخصومها لم تُحسم بعد. واشنطن وحلفاؤها ما زالوا يمتلكون أدوات ضغط كبيرة، وطهران ما زالت تبحث عن وسائل لتقليص تأثيرها.
وبين الطرفين، يبقى العامل الأهم هو قدرة الاقتصاد الإيراني على الانتقال من مجرد الصمود أمام العقوبات إلى بناء اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي في السنوات المقبلة.
ومن يعتقد أن إيران لا تزال تتعامل مع العقوبات والحصار بالمنطق نفسه الذي اتبعته قبل اندلاع هذه الحرب، قد لا يكون قد أدرك حجم التحول الذي طرأ على قواعد المواجهة. فطهران لم تعد تكتفي بمحاولة تقليل آثار العقوبات أو إيجاد مسارات بديلة لتجاوزها، بل باتت تنظر إلى الضغط الاقتصادي باعتباره جزءاً من مواجهة أوسع، وترد عليه بأدوات ضغط مقابلة، مدنية واقتصادية وسياسية، ومع ما تعتبره أدوات الردع المتاحة لها.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار الولايات المتحدة والدول الغربية والدول الداعمة لها في توسيع دائرة الحصار والضغط قد يدفع المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بحيث لا تبقى تداعياتها محصورة داخل الاقتصاد الإيراني، بل تمتد إلى استقرار الأطراف المنخرطة في الصراع، ومصالحها التجارية، وعلاقاتها الإقليمية، وخطوط إمدادها وممراتها الحيوية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة: كلما اتسعت دائرة الضغط، اتسعت معها احتمالات الرد، وقد تتحول الحرب الاقتصادية من أداة لمحاولة إخضاع الخصم إلى مسار تصعيدي يدفع الطرفين إلى استهداف نقاط القوة لدى كل منهما.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت العقوبات قادرة على إضعاف إيران، بل إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا المسار من دون أن تتحول كلفة الضغط إلى أزمة أوسع تطال الجميع.

نجاح محمد علي
باحث في الشؤون الإيرانية و الإقليمية.

رأي اليوم

رأي اليومToday’s Opinionإيران والحرب الاقتصادية: كيف تحاول طهران كسر الحصار؟

شارك المقالة