عبد الباري عطوان
لم يكن مفاجئا بالنسبة الينا، والكثيرين مثلنا ان يرحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويبدي سعادته الغامرة بتحالف مكة الدفاعي الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ويعتبره “خطوة أولى كبيرة وجريئة وهامة”.
فهذا الترحيب، وهذه السعادة، ما كان لهما ان يأتيا لولا تأكد الرئيس ترامب من الأهداف التي يسعى هذا التحالف لتحقيقها:
اولا: ان التحالف جاء لمواجهة القوة الإيرانية الإقليمية المتعاظمة، ونجاحها، حتى الآن، في التصدي بكفاءة عسكرية وسياسية عالية وصمودها في ميادين القتال طوال الأشهر الستة الماضية من عمر الحرب العدوانية على إيران.
ثانيا: يدرك الرئيس ترامب جيدا واستنادا الى معلومات استخبارية، ان هذا التحالف الثلاثي لا يشكل، في الوقت الراهن على الأقل، أي تهديد مباشر او غير مباشر لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فلم تذكر إسرائيل كعدو في سردياته.
ثالثا: الدول الثلاث الموقعة لهذا التحالف تتربع على قائمة القوى الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة الامريكية، وليست منخرطة في تحالفات عسكرية استراتيجية مع دول عظمى مثل الصين وروسيا.
رابعا: هذا التحالف الإقليمي الجديد يحيط جغرافيا بايران من ثلاث جهات بشكل مباشر، وهي الغربية (السعودية)، والشرقية (باكستان)، والشمالية (تركيا)، وليس لاي منها حدود مباشرة مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، ولم تنخرط أي منها في أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
خامسا: تخفيف مباشر للأعباء الأمنية الامريكية في منطقة الشرق الأوسط.
سادسا: تعزيز استقرار خطوط امداد الطاقة والتجارة في المنطقة.
سابعا: حماية البنية التحتية والمنشآت النفطية في دول الخليج التي تعرضت لهجمات بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية لوجود قواعد عسكرية أمريكية على ارضها.
ثامنا: توسيع دائرة مبيعات السلاح والصناعات الامريكية للدول الثلاث التي تعتمد بشكل أساسي في تسليحها على الولايات المتحدة ومعداتها العسكرية.
***
جميع الأسباب الثمانية التي ذكرناها آنفا الى جانب أخرى ربما كانت وراء عدم اتساع دائرة العضوية وانضمام دول اقليمية أخرى الى هذا التحالف حتى كتابة هذه السطور رغم بذل الدول الثلاث جهودا كبيرة في هذا المضمار.
ما زال من المبكر الجزم بفرض نجاح هذا التحالف، التي تحاول دوله الثلاث تأسيس حلف إقليمي مواز لحلف الناتو، وتبني أبرز بنود ميثاقه، أي البند الخامس الذي ينص على ان أي عدوان على احدى الدول المنضمة اليه يشكل عدوانا على ثلاثتها، ويفرض عليها التصدي لهذا العدوان فورا.
الأمر المؤكد، ان ما لا يعرفه الرئيس ترامب، او يعرفه ويتجاهله، ان هذا التحالف الثلاثي الذي يضم الدول الإسلامية “السنية” الثلاث جاء بسبب فشل القوة العسكرية الامريكية العظمى في هزيمة ايران، وتحقيق الأهداف من اعلان الحرب عليها، واهمها اسقاط النظام، وتدمير طموحاتها النووية، ومصادرة كل ما لديها من مخزون يورانيوم مخصب بنسب عالية جدا، وتفكيك برنامجها الصاروخي المتطور جدا، وتحديد ابعاده بأقل من 200 كيلومتر، ووقف كل الامدادات المالية والعسكرية لأذرع محور المقاومة.
باراك اوباما الرئيس الأمريكي الاسبق، كان بارعا في توصيف حرب بلاده الخاسرة على ايران، عندما قال في تغريده له على حسابه على منصة “اكس” “كل هذه الحرب وتكاليفها الباهظة تأتي بهدف نزع قنبلة نووية موجودة، ووقف اغلاق مضيق هرمز الذي كان مفتوحا لمئات السنين”.
***
فلسطين ومسجدها الاقصى ستكون الاختبار الحقيقي الأول لهذا التحالف الثلاثي الجديد بشكل مباشر او غير مباشر، وايران هي الثاني، فهل سيقف هذا التحالف “محايدا” متفرجا على المجازر المستمرة في الضفة والقطاع واقتحامات تهويد المسجد الأقصى؟ وهل سيترفع هذا التحالف الثلاثي عن الشبهة الطائفية، ويمد جسور الاخوة والصداقة في إطار مصالحة تاريخية مع ايران ويحقن دماء المسلمين شيعة وسنة، ويضع أمريكا وإسرائيل على قمة قائمة الأعداء المزعزعين لأمن المنطقة واستقرارها؟
هناك بصيص امل ورد في آخر تصريحات للرئيس التركي رجب طيب اردوغان تعليقا على قيام هذا التحالف وأهدافه عندما قال “ان غزة لن تترك لوحدها بعد اليوم”، فهل سنرى تطبيقا عمليا لهذه العبارة يؤدي الى التصدي لحرب الإبادة التي تمارسها “إسرائيل” وتدعمها الولايات المتحدة الأمريكية في الضفة الغربية والقطاع؟
نأمل ذلك، وان كانت تجارب العامين الماضيين لا توحي بذلك.. والله اعلم.
رأي اليوم