أعلنت إيران وسلطنة عُمان التوصل إلى اتفاق بشأن الإحداثيات الجغرافية لممر ملاحي آمن عبر مضيق هرمز، وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن البيان المشترك للاتفاق بات قيد المراجعة النهائية والصياغة، في “حال غياب أي عوائق من أطراف ثالثة”، وإن المحادثات التي استغرقت شهرين جرت بين البلدين بصفتهما مشاطئتين للمضيق، مشدداً على أن الاتفاق لا يعني بحد ذاته أن المضيق آمن.
وقال مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية إن طهران لن تقبل بأي تدخل لأي دولة أجنبية في مضيق هرمز، وإن مشروع الاتفاق ينص على إلغاء المسار الجنوبي المحاذي لأراضي سلطنة عمان، والشمالي المستحدث بالقرب من جزيرة لارك، واعتماد مسار مؤقت لمدة من شهرين الى 4 أشهر أو أكثر، على أن تمر السفن عبر المياه الايرانية عند الدخول إلى المضيق أو الخروج منه. وإن الفصل في مسألة تحصيل رسوم للعبور “يعتمد على قرار السلطات العليا وسلوك الولايات المتحدة”.
يعكس الاتفاق الوشيك مسعى ثنائياً لوضع آلية تعكس السيادة المشتركة على المضيق، وفقاً للقانون الدولي. بعد إخفاق سيناريو “المسار البديل” لعبور هرمز بعيداً عن إيران، الذي دفعت باتجاهه الولايات المتحدة ولم يلبث أن أعاد الأزمة إلى نقطة البداية، وعاد إغلاق المضيق، الذي يمثّل الآن تمسك إيران بالبند الخامس من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، بصفته إطاراً عاماً لأمن المضيق وفق الخطاب الرسمي الإيراني، الذي ينصّ على أن “تتخذ إيران الترتيبات اللازمة لتوفير ممر آمن للسفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان وبالعكس لمدة 60 يوماً، وتُنظم حركة السفن بالتنسيق مع عُمان والدول المشاطئة الخليج”.
وكانت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية نقلت عن وزير الخارجية عباس عراقتشي، أن المحادثات مع عُمان “تسير نحو تحقيق هدفها وتمر بمراحلها النهائية”، وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، إن الطرفين على وشك التوصل إلى تفاهم بشأن المسار الملاحي، مؤكداً أن “التفاوض بشأن هرمز ليس مع الولايات المتحدة”، وأنه لا عودة للمضيق لوضع ما قبل الحرب. وقال مصدر إيراني لوكالة “سباه نيوز” إن السبب الرئيسي لتعطيل الاتفاق مع عمان هو التدخلات الأميركية. وقال مصدر آخر مطّلع لشبكة “برس تي في” الناطقة بالإنكليزية إن “الاتفاق مع عُمان بمتناول اليد حال توقف تدخلات الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة”.
يشير الاتجاه العام للمحادثات إلى تقدم يسهل ملاحظته. إذ انطلقت مبكراً، في نيسان/ أبريل من العام الحالي، بعد أسابيع من بدء الحرب على إيران، بطابع استكشافي في البداية، وباعث واضح هو وضع مضيق هرمز وممارسة السيادة عليه، وتطور التواصل إلى تشكيل فريق عمل مشترك وإطار سياسي ثابت، في حزيران/ يونيو، ثم أقيمت الشهر الماضي جولات من المحادثات الفنية، عن مسار العبور وتقاسم المسؤوليات البحرية، وقدمت السلطنة مسودة اتفاق ونوقشت. ومع التصريحات الرسمية العمانية الإيجابية، يمكن القول إن الطرفين وصلا إلى إطار محل توافق، في ضوء التوافق الواضح والمعلن على فكرتين عامّتين، يعبر عنهما الخطاب الرسمي للطرفين، ويكرّس حضورهما غياب “نقطة تعارض” جوهرية فارقة تُفشل التفاهم:
أولاً: التقاسم الثنائي الطوعي للسيادة على المضيق، والإقرار بالتنسيق مع دول الخليج بشأنه. أي اعتبار المسألة متصلة بالسيادة (الأكبر من النقاش الأمني الفني)، وذات بعد إقليمي في المقام الأول، يعني دول المنطقة أولاً دون غيرها.
ثانياً: ممارسة السيادة المشتركة على المضيق وفقاً للقانون الدولي، بصفة الطرفين دول مشاطئة له، وذات سيادة وجيرة مشتركة تاريخياً. والتعهد بضمان حرية الملاحة الدولية من حيث المبدأ، وتحمل مسؤولية ما يترتب عليه من آليات تنفيذية.
وفي المقابل، لا تعبر التصريحات والمواقف الأميركية، بشأن المضيق على وجه التحديد، عن تصور سياسي أو أمني واضح يكفل استمرار الملاحة وتأمينها. وعلى العكس، تقترب حاملتا الطائرات “ابراهام لينكولن” و”جورج دبليو بوش” من الشواطئ الجنوبية الإيرانية، وفق صورة التقطها القمر الصناعي “سنتينل 2” في الأول من آب/ أغسطس. مع مواصلة ترامب تهديداته وتغيير مضمون ونبرة التصريحات، وتوالي التعاقدات العسكرية مع شركات السلاح العملاقة، بشكل وحجم يتجاوزان هدف التصدي للهجمات الإيرانية، فضلاً عن تكشّف تلاعب بسوق النفط، مرتبط بمسؤولين في الإدارة الأميركية، وتصريحات ترامب وتقارير موقع “أكسيوس” عن الحرب على إيران، شمل استغلال إعلان ترامب تأجيل الضربات على إيران ووقف إطلاق النار وتمديده، ومن ثم انخفاض سعر النفط.
مشهد لا يعكس توجه إلى حل أزمة إغلاق هرمز واحتواء تداعياتها، والوصول إلى استقرار دائم، إنما رغبة في استئناف الضغط على إيران ونفي سيادتها على هرمز. من دون عائق موضوعي يواجه تطبيق مذكرة التفاهم، ولا سيما البندين الأول والرابع، ومضمونهما وقف الحرب على جميع الجبهات والامتناع عن التهديد وعن استخدام القوة، ورفع الحصار البحري وسحب القوات من محيط البلاد والمضيق.
وفي خلفية المشهد يكمن تعارض بين الأهداف الأميركية، وفق منظور الإدارة الحالية، وبين الأرضية الإيرانية العمانية المشتركة (المبدأين سابقي الذكر). إذ تعكس الحرب على إيران حد ذاتها، والتحشيد العسكري حول المضيق وتجاهل تطبيق مذكرة التفاهم، منازعة للطرفين في السيادة على المضيق، وممارسة تقليدية للتصرف الأحادي والهيمنة، مثل ما تعكس المناورات الأميركية والتنصل من الوصول إلى تسوية، من دون سبب منطقي ومع غموض وتجاهل للتبرير، مصالح في إطالة الحرب وتذبذب أسعار النفط. ولذلك تحاول الولايات المتحدة الدخول إلى مسار المحادثات الثنائية، أو التأثير عليه، وتعمل من ناحية أخرى على اعتباره “مكملاً” لمذكرة التفاهم ومسار المحادثات الأميركية الإيرانية، كأنها تحاول احتواء تجربة مستقلة بديلة وإلحاقها بالنظام السائد.
من ناحية أخرى، لا يبدو التعاون والاحتكام إلى القانون الدولي ومرجعيته في مسائل السيادة منهجاً عند إدارة ترامب، في غياب الغطاء القانوني الدولي للحرب، وامتناع الحلفاء ــ سوى “إسرائيل” عن المشاركة. وتبدو الهيمنة وفرض الوصاية على الفاعلين الآخرين، بمعزل عن القانون، أسلوباً معتمداً، من اختطاف رئيس دولة إلى فرض الرسوم الجمركية تعسفياً، وهو يتسق والرغبة في السيطرة الأحادية على الترتيبات الأمنية للمضيق، بدلاً من تقاسم إيران وعُمان السيادة بشكل رضائي مستقل؛ فضلاً عن أن المضيق كان مفتوحاً وآمناً بالفعل قبل انطلاق حالة العسكرة التي أعقبت الحرب، في تجلّي لمبدأ “صناعة المشكلة ثم استغلالها”.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يفتح التعاون الإيراني العُماني أفقاً يخالف المنطق “الخاص” الكامن وراء الحرب، الذي يبرر لإدارة ترامب كلفتها وتحمل تداعياتها وانعدام الاستقرار، ويتجه نحو فرض الاستقرار بدلاً من فرض الاقتتال. ما يمثل – حال نجاحه – نموذجاً دولياً لحل الأزمات بالتعاون الإقليمي المباشر، والشراكة النوعية العميقة في ملفات محددة، بمعزل نسبي عن السيطرة الأميركية، التي تلوّح بالعقوبات والرسوم الجمركية وتفرضها في مواجهة الجميع. ومن هنا سيمثل التوصل إلى اتفاق ثنائي نهائي عن هرمز نجاحاً لمبدأ الأقلمة في حل المشكلات، ودعوة ضمنية إلى تحدي وتجاوز النفوذ الأميركي، الذي بات يزيد المشكلات تعقيداً، مع تكاثر بؤر الصراع في العالم، وتواصل عجز النظام الدولي عن حلها أو تبريدها.
لذلك كله، يمكن القول إن صياغة الاتفاق الثنائي النهائي ضرورة يتطلبها حل المشكلة العامة، ذات التداعيات السلبية العالمية، وهي إغلاق المضيق. لكن الاتفاق ــ من زاوية أخرى سيمثل إخفاقاً دبلوماسياً أميركياً، وتراجع استراتيجي نوعي. وفي المقابل، يمكن اعتباره إعادة إنتاج للوزن الاستراتيجي لسلطنة عمان، من موقع أقوى، وتتويجاً للصعود الإيراني الذي تتكشّف أبعاده بموازاة إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الحرب، وإخفاق أدوات العقوبات والحصار البحري في فرض تغيير السياسات. ما يعطي للولايات المتحدة (من موقع المترقّب) أسباباً قوية لإفشال تلك المحادثات، أو محاولة الالتفاف على نتائجها، وتحقيق هدف التدخل في إدارة المضيق أو تكريس آلية تدخل أميركي فيه، وهي تدرك أن عوامل نجاحها النهائي قائمة.
الميادين
المحادثات الإيرانية العُمانية: عوامل النجاح وأسباب القلق الأميركي | الميادين