You are currently viewing إخفاقات إسرائيل في 7 أكتوبر مستمرة منذ العام 2008

إخفاقات إسرائيل في 7 أكتوبر مستمرة منذ العام 2008

ليس مستغربًا تكشُّف معلومات جديدة حول حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، المستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات، وتستهدف فيها إسرائيل حاليًا المدنيين، ومن ضمنهم الأطفال، يوميًا، ويتكشف فيها دور إدارة جو بايدن في الإبادة والدعم الواسع الذي قدمته لإسرائيل، رغم علم الولايات المتحدة بحجم الإبادة في غزة منذ بداية الحرب، وانتهاك إسرائيل كافة القوانين والمعاهدات الدولية، وحتى القوانين الأميركية التي تزعم التزامها بحقوق الإنسان، وتزويدها بالسلاح.

حجة إسرائيل في شن الحرب على غزة هي هجوم “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، الذي شكّل صدمة للإسرائيليين، في ظل الادعاء أن الهجوم كان مفاجئًا، رغم علم إسرائيل بمعلومات ومؤشرات حول استعدادات وتدريبات لدى حماس على شن هجمات، وحصول إسرائيل على وثائق كتبها قادة الحركة، منذ سنوات، وتضمنت خططًا هجومية.

يصف الإسرائيليون عدم الاهتمام بالمعلومات والمؤشرات التي حصلوا عليها في السنوات التي سبقت 7 أكتوبر بأنه “إخفاق”. لكن يبدو أن هذا إخفاق بنيوي، وأنه يشكل جزءًا من السياسة الإسرائيلية، وهو ناجم عن نشوة القوة والغطرسة، والأغرب من ذلك عدم شعور إسرائيل، أو عدم اكتراثها، بتأثير حروبها السابقة وحصارها المتواصل لغزة على الفلسطينيين.

وأشار كتاب صدر حديثًا للمحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، بعنوان “06:29″، وهو توقيت بدء هجوم حماس في 7 أكتوبر، إلى أنه مثلما حدث في أعقاب العمليتين العسكريتين الإسرائيليتين في غزة، “الرصاص المصبوب” (معركة الفرقان)، في نهاية 2008 وبداية 2009، و”عامود السحاب” (حجارة السجيل)، في العام 2012، فإنه في نهاية عملية “الجرف الصامد” العسكرية، التي ردت عليها حماس بعملية “العصف المأكول”، في العام 2014، “بذلت الحكومة والجيش جهدًا من أجل أن يسوّقا للجمهور نجاحات، بينما من الناحية الفعلية انتهت العملية العسكرية بما يشبه تعادلًا كئيبًا”.

في السنوات التالية، كان الاعتقاد في إسرائيل أن حماس مرتدعة ولن تبادر إلى تصعيد عسكري، وبرز ذلك في تصريحات رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو. وحسب هرئيل، فإن تطوير منظومة “القبة الحديدية” لاعتراض الصواريخ كان أحد الاعتبارات الإسرائيلية للامتناع عن شن عمليات هجومية واسعة. وأيد “سياسة الاحتواء” هذه معظم قيادة الجيش الإسرائيلي، ومعظم قادة أحزاب المعارضة وخصوم نتنياهو، وكذلك معظم الصحافيين والمحللين الإسرائيليين وغالبية الجمهور الإسرائيلي.

إطلاق صواريخ من غزة باتجاه إسرائيل خلال حرب العام 2014 (Getty Images)
في العام 2017، قال نتنياهو، خلال نقاش في لجنة مراقبة الدولة في الكنيست حول تقرير مراقب الدولة بشأن عملية “الجرف الصامد”، إنه “لم نرغب في حرب في الجنوب. وبذلنا جهدًا كي نمتنع عن الحرب بأي طريقة، وأن نمتنع عن التصعيد. وأقدمنا على القضاء على قواعد حماس في يهودا والسامرة. وهذا الأمر أحدث عدم استقرار في غزة. وقد تعمدت، في حينه، الامتناع قدر الإمكان عن تلك الحرب. وإذا اضطررنا، سننفذها بأقل ثمن”.

في الاجتماع نفسه، وصف نتنياهو بدقة خطة هجوم حماس التي خرجت إلى حيز التنفيذ بعد ست سنوات، وتحدث عن “هجوم متعدد الأذرع، مع آلاف الصواريخ على مدن إسرائيل. وفي موازاة ذلك، هجوم عن طريق البحر بواسطة غزوات الكوماندوس البحري، وفي الجو بواسطة طائرات شراعية، وفي البر عن طريق عشرات الأنفاق، مع عبور كتيبة من أجل الخطف والقتل في البلدات والمواقع العسكرية”.

في هذا الوصف، تطرق نتنياهو إلى خطة كانت حماس ستنفذها في بداية حرب “الجرف الصامد” في العام 2014، لكن هرئيل أشار إلى أن “هذه التفاصيل لا تفسر سبب عدم التعامل مع التهديد في السنوات التسع بين الجرف الصامد والمجزرة”، أي هجوم “طوفان الأقصى”.

مبالغات نتنياهو والجيش

في أواخر حزيران/يونيو 2023، قال نتنياهو، في خطاب خلال مراسم إحياء ذكرى القتلى الإسرائيليين في عملية “العصف المأكول”، إن “قوتنا تتعاظم وقدراتنا تتنوع ضد من يحاولون تهديدنا بالإبادة. وردنا سيكون واسعًا وشديدًا”، لكن هرئيل شدد على أنه “بعد الجرف الصامد، بالغ نتنياهو والجيش في نجاح هذه العملية العسكرية، وشددا على التخوف من التورط في غزة، وركزا الجهود على الاستعداد لحرب ضد حزب الله”.

 

في السنوات التي تلت “الجرف الصامد”، جاءت المنحة المالية القطرية لسكان قطاع غزة، ووفقًا لهرئيل، فإن “التمويل القطري بدأ كفكرة إسرائيلية بهدف منع انفجار في القطاع، وأيدته الغالبية العظمى من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، وكذلك حكومة بينيت – لبيد لاحقًا”.
وبعد عملية “حارس الأسوار” (سيف القدس وهبة الكرامة)، في العام 2021، تباهى قادة الجيش الإسرائيلي بالغارات على غزة، وادعوا أن حماس لن تجرؤ بعد الآن على استخدام الأنفاق، بدعوى أنها كُشفت وأصبحت معرضة للاستهداف. لكن هرئيل أكد أن المستوى السياسي وأجهزة الاستخبارات أخطآ في تحليل نتائج هذه المعركة، وأن شعبة الاستخبارات العسكرية (“أمان”) اعترفت بأنه “كنا في أوفسايد مطلق”. وأضاف أن نتيجة المعركة كانت عمليًا “تعادلًا كئيبًا” مرة أخرى، واعتبر أن حماس “نجحت لأول مرة في تقديم نفسها كمدافعة عن القدس، وفي الوقت نفسه وحّدت الجبهات ضد إسرائيل، من القطاع والضفة والقدس وبين ’عرب 48’، وتقوض الشعور بالأمن الشخصي بين الإسرائيليين بشدة”.

وقال ضابط رفيع في “أمان” إن “حارس الأسوار يشكل نقطة تحول أخرى ودراماتيكية. إسرائيل ادعت أنها دمرت الكثير من قدرات حماس، بينما في الواقع كان السنوار والضيف يعلمان أنها دمرت القليل جدًا فقط. ربما إسرائيل لا تدرك قوة حماس”.

وقال الضابط في الاحتياط برتبة عميد، إيتاي برون، الذي ترأس، بعد “طوفان الأقصى”، التحقيق العسكري الداخلي في دائرة الأبحاث في “أمان”، إنه “في حارس الأسوار كان هناك تناقض بارز في منظومة إدراك الواقع، بحسب أمان. وإذا كانت حماس مرتدعة ومستضعفة، مثلما يدعون، فلماذا أطلقت قذائف صاروخية على القدس في بداية التصعيد؟”.

وشدد الباحث في الشؤون الفلسطينية، د. ميخائيل ميلشتاين، على أن “حارس الأسوار هي المفترق الذي خرج منه القطار مباشرة إلى 7 أكتوبر. ولأول مرة في تاريخ حماس، بادرت الحركة إلى عملية عسكرية كبيرة بقرارها إطلاق قذائف صاروخية على القدس. وفي جميع الجولات القتالية السابقة منذ الرصاص المصبوب، في 2008، نحن الذين بدأنا، وعندما تنتهي الجولة يحتفل المسؤولون الإسرائيليون بأننا وجهنا ضربات وردعناهم. لكن التسوية تعود بسرعة، وكذلك المال القطري، وشاحنات البضائع تدخل إلى القطاع مجددًا”.

وأضاف ميلشتاين أن “استنتاجات السنوار والضيف واضحة: إسرائيل مدمنة على الهدوء، وأنا أسيطر على السردية، وبإمكاني أن أحصل على أي شيء أريده في مجال التسهيلات المدنية، والإسرائيليون يؤمنون بأن هذا كافٍ لإرضائهم. وقد نشأت فجوة جنونية بين تقديرات الاستخبارات والمستوى السياسي في إسرائيل وبين ما يحدث في حماس. وبالنسبة إلى حماس، فإنها مُنيت فعلًا بفشل تكتيكي، لكنها حققت انتصارًا إستراتيجيًا”.

دعم إدارة بايدن لحرب الإبادة

لا يُتوقع أن تعترف إسرائيل وإعلامها بجرائمها في غزة، وبالإبادة الجماعية التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها حتى اليوم. لكن تقارير أميركية سلطت الضوء على هذه الإبادة، وآخرها التقرير الذي نشرته مجلة “نيويوركر”، هذا الأسبوع، وأكد أن إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، كانت على علم بحجم الإبادة منذ البداية، ورغم مطالبة الأميركيين إسرائيل بأن توقف جرائمها، فإنهم كانوا يدركون أن إسرائيل تعلم أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبها في جميع الأحوال.

 

وأفاد التقرير بأنه بعد خمسة أشهر من بداية حرب الإبادة، في 5 آذار/مارس 2024، بعثت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر رسالة سرية إلى بايدن، وقالت فيها إن “الطريقة التي تدير بها إسرائيل الأعمال العدائية لا تتوافق مع قوانين النزاعات المسلحة، ولا سيما الالتزامات بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو البنية التحتية المدنية”، وناشدت بايدن حجب الأسلحة التي “لا ينبغي استخدامها في المناطق المكتظة بالسكان، نظرًا إلى آثارها الإنسانية المدمرة”.

وأشار التقرير إلى أنه “بالنظر إلى الماضي، يبدو أن بايدن وأقرب مستشاريه كانوا سلبيين بشكل غريب تجاه تضليل إسرائيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين الفلسطينيين”. ونقل التقرير عن مستشار بايدن للأمن القومي، جيك سوليفان، قوله إنه “داخل المكتب البيضاوي، طرحنا مرارًا وتكرارًا خيارات حجب الأسلحة وناقشناها، ولكن باستثناء تعليق شحنة قنابل واحدة، كان الرئيس دائمًا ما يؤجل هذا القرار، لأننا كنا نعتقد أننا على وشك التوصل إلى اتفاق” لإطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار. “وعندما ننظر إلى الأمر بموضوعية، يسهل إدراك فخ هذا النوع من التفكير”. وأضاف: “سأقولها بصراحة، كان ينبغي علينا ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل لاتباع نهج مختلف”.

وأثارت الغارات الإسرائيلية الدهشة في وزارة الخارجية الأميركية، حسب التقرير، “فقد بدت كأنها تتحرك في خط جغرافي من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، فدمرت أحياءً بأكملها بطريقة توحي بقلة التمييز بين المباني المدنية والعسكرية. وسأل وزير خارجية بايدن، أنتوني بلينكن، موظفيه: كيف يمكن لإسرائيل تبرير هذا الحجم من الدمار؟”. وقال مسؤول رفيع في الوزارة: “صُدِمنا جميعًا من مدى عدوانية هذا العمل وفتكه، وتساءلنا: ’ما الذي يفعلونه بحق الجحيم؟’”.

بعد يومين من 7 أكتوبر، أغلقت إسرائيل جميع المعابر، وأعلن وزير الأمن، يوآف غالانت، أنه أمر بفرض حصار شامل على قطاع غزة: “لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا وقود – كل شيء سيُغلق. نحن نحارب حيوانات بشرية، ونتصرف وفقًا لذلك”.

وبعد أيام قليلة، سافر بلينكن إلى إسرائيل والتقى بنتنياهو وغالانت. ونقل التقرير عن شهود عيان أن بلينكن أخبرهما بأن السماح بدخول الغذاء ليس مجرد “مسؤولية أخلاقية”، بل “ضرورة إستراتيجية وقانونية”. إلا أن نتنياهو لم يتزحزح عن موقفه، حتى هدد بلينكن بإلغاء زيارة بايدن المقررة. وبعد ذلك، وافق نتنياهو على السماح بدخول كمية محدودة من الإمدادات، التي كان لا بد أن تمر عبر رفح، وطلب نتنياهو أن يبقى هذا التنازل البسيط سرًا. وبرر التقرير ذلك بأنه “كان يخشى رد فعل داخلية غاضبة لعدم تجويعه نساء غزة وأطفالها وسائر المدنيين”. وبعد مغادرة بايدن، أعلن نتنياهو أنه “لن يسمح بدخول المساعدات الإنسانية من أراضينا إلى قطاع غزة”.

وأفاد التقرير بأن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، اتخذ خطوات لتفعيل قوانين ليهي، التي تمنع تقديم المساعدة لأي وحدة عسكرية تُتهم بشكل موثوق بارتكاب “انتهاك جسيم” لحقوق الإنسان. ولكن، بموجب إجراء خاص تم التفاوض عليه سرًا مع إسرائيل على مدى أشهر عديدة، لم يكن لهذه الخطوات أي تأثير في تحركات إسرائيل في غزة.

كان بايدن وإدارته، لدى تشكيلها، يتحدثان عن استعادة الدعم الأميركي، ولو رمزيًا، لإقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية. ونظرًا إلى تساوي أعداد الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية، فقد كان المنطق السائد هو أن التعايش السلمي مع دولة فلسطينية هو السبيل الوحيد للحفاظ على “أمن إسرائيل ويهوديتها وديمقراطيتها”، وبالتالي فهو “مصلحة وطنية أميركية جوهرية”.

وأشار التقرير إلى أنه بحلول 7 أكتوبر 2023، لم يكن بايدن قد نفّذ هذه الخطط، التي لم يُكشف عنها سابقًا، وذلك بسبب رفض إسرائيل قيام دولة فلسطينية. “لكن بعض المسؤولين الأميركيين، بقيادة بلينكن، حاولوا اتباع مناورة جديدة لتحقيق قيام دولة فلسطينية. وكان محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، قد أبدى استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية. وقد اكتفى بقبول وعود إسرائيلية جوفاء بشأن مستقبل الفلسطينيين، لكن بلينكن ودبلوماسيين أميركيين آخرين ضغطوا على السعوديين للمطالبة بالتزام أكثر حزمًا بحل الدولتين. وقال مسؤولون سابقون إن بلينكن كان يصرّ داخل البيت الأبيض على أن التطبيع هو ’الوسيلة الوحيدة المتاحة لنا’ لحمل إسرائيل على إعادة فتح الطريق أمام الفلسطينيين”.

وأضاف التقرير أن “بايدن – بغض النظر عن المؤشرات التي ظهرت لاحقًا على تراجع قدراته الإدراكية – لعب دورًا فاعلًا في سياسة غزة، وأنه كان غالبًا ما يتعامل باستعلاء حتى مع كبار مستشاريه.

وبلينكن، الذي وضعته وظيفته في وزارة الخارجية أمام رؤى السلك الدبلوماسي الأميركي، الذي ضم دبلوماسيين مخضرمين أمضوا سنوات في العيش في الشرق الأوسط، بخلاف الدائرة المحيطة ببايدن. وسوليفان كان في قلب مؤسسة السياسة الخارجية الديمقراطية لأكثر من عقد. ومع ذلك، قال مسؤولون في البيت الأبيض إن بايدن كان أحيانًا يرفض آراء الرجلين بفظاظة، ويرفع صوته كما لو كان يوبخ أطفالًا”.

وأشار التقرير إلى أنه بعد هجوم 7 أكتوبر، “لم يشكك أحد في الإدارة الأميركية في حق إسرائيل في الرد. ولم يشكك أحد في ضرورة الدعم العسكري الأميركي. لكن البيت الأبيض اختلف مع نتنياهو حول أفضل السبل لسحق حماس. وقد أبدى بايدن وبلينكن وسوليفان قلقهم، في جلسات خاصة، من أن ضراوة الرد الإسرائيلي قد تُعرّض القوات الأميركية للخطر، وتُعقّد المفاوضات لإطلاق سراح الرهائن، وتُقوّض استقرار المنطقة على المدى البعيد”.

لكن تبيّن لاحقًا أن إدارة بايدن لم تلتزم أبدًا بهذه الأفكار، وإنما دعمت حرب الإبادة الإسرائيلية، في السياسة وإمدادات الأسلحة، حتى نهاية ولايتها.

عرب48

إخفاقات إسرائيل في 7 أكتوبر مستمرة منذ العام 2008

شارك المقالة