عبد الباري عطوان
تتابع معظم القيادات العربية اتفاق وقف إطلاق النار الذي من المتوقع ان ينهي الحرب الحالية مع ايران من جهة والولايات المتحدة الامريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، من مقاعد المتفرجين عن بعد، وكأنهم يمثلون دولا في المريخ، وليس في منطقة “الشرق الأوسط” التي تندلع الحرب في أراضيها ومضائقها وبحارها.
طوال الأشهر الأربعة الماضية من عمر هذه الحرب التي بدأت بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران في 28 شباط (فبراير) الماضي، لم تعقد الحكومات العربية لقاءا واحدا لبحث هذه الحرب العدوانية واخطارها على المنطقة وأمنها واستقرارها واقتصادها، ناهيك عن عقد مؤتمر قمة، والأخطر من ذلك ان ما يسمى بالجامعة “العربية” لم تتحرك مطلقا، ولم تعقد اجتماعا واحدا ولو على مستوى المندوبين.
***
اذا نجح الاتفاق الأمريكي الإيراني في وقف الحرب بشكل مؤقت، او دائم، فإنه قد يؤدي الى تقارب امريكي إيراني سيكون حتما على حساب العرب، الذين وقفوا في الخندق الأمريكي الإسرائيلي منذ اليوم الأول، وسارعت 21 دولة عربية (من مجموع 22 دولة) الى اصدار بيانات ادانة لإيران الدولة المعتدى عليها، ولم تفعل الشيء نفسه بالنسبة للدولتين المعتديتين، أي الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، مما يعكس قمة الغباء وقصر النظر الاستراتيجي.
نشرح اكثر ونقول ان القيادات العربية رفعت رايات العداء ضد ايران منذ اليوم الأول استنادا الى فرضية تتوقع ان العدوان الأمريكي الإسرائيلي سيكون حاسما وسريعا، وسيؤدي الى استسلام وركوع إيراني، ولم يتوقع “الزعماء” العرب ومستشاريهم “العباقرة” ان تصمد ايران لأكثر من مئة يوم، وتترجم تهديداتها الى أفعال، بالقصف الصاروخي الموجع والمدمر في عمق دولة الاحتلال، واسقاط اكثر من 35 طائرة أمريكية من ضمنها اثنتان من درة تاج سلاح الجو الأمريكي (اف 35)، علاوة على مسيّرات (MQ9) الاحدث في الترسانة الامريكية، التي جرى سحبها من الخدمة لسقوطها بالعشرات مثل الذباب في جبهات القتال.
الجار الإيراني اذا كان لم يخرج منتصرا في هذه الحرب، فمن المؤكد انه لم يخرج مهزوما، بل دولة إقليمية عظمى، تقول وتفعل، ولا تتخلى مطلقا عن حلفائها، في لبنان واليمن حفاظا على وحدة الساحات، ورد الجميل لكل من وقف في خندقها، وخاصة “حزب الله” في لبنان.
من المؤلم والمخجل ان هذا الموقف العربي الرسمي قصير النظر، واعلى درجات الغباء الاستراتيجي لن يمر دون مكافأة من “الصديق” الأمريكي تتمثل في تأسيس صندوق إعادة الاعمار في ايران، بقرار امريكي، يبلغ رأسماله 300 مليار دولار، واكد جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي في تصريحات موثقة ان دول الخليج العربية هي التي ستقوم بهذا التمويل، وان الولايات المتحدة لن تدفع دولارا واحدا من أموال دافع الضرائب الأمريكي لدعم هذا الصندوق لإعمار ايران.
كان لافتا ان معظم قادة الدول الخليجية الذين دعاهم الرئيس ترامب للقائه على هامش قمة الدول السبع في فرنسا لمناقشة هذا الملف شدوا الرحال فورا الى العاصمة الفرنسية تلبية للدعوة باستثناء الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الذي اعتذر عن الحضور لوجود ارتباطات مسبقة لديه، وهذا يعني في العلم الدبلوماسي “الرفض” وكلمة “لا” كبيرة، ونأمل ان يتأكد، او يتعزز هذا الموقف برفض المساهمة في هذا الصندوق، لان السعودية لم تشارك في تدمير ايران، ولم تسمح للصواريخ والطائرات الموجهة لضرب ايران المرور في اجوائها لأداء هذه المهمة، او هكذا تؤكد المعلومات المتاحة حتى الآن على الأقل.
***
من يجب ان يمول صندوق ايران هي الدول التي شنت العدوان وقصفت طائراتها وصواريخها هذا البلد الإسلامي الشقيق، ودمرت الكثير من بناه التحتية، وقتلت المئات، ان لم يكن الآلاف، من مواطنيه الأبرياء وعلى رأسهم طالبات مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية، ونقصد بذلك أمريكا ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
لم نكن طائفيين او عنصريين، ولن نقف في خندق المعتدين على ارضنا وامتنا، عربية كانت او إسلامية، او خندق القيادات العربية المتواطئة معهم، ونعارض بقوة ان تستخدم أموال امتنا وشعوبنا في تنظيف قاذورات ودمار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران الشقيقة، او أي دولة أخرى، وشعب آخر، وسنظل دائما في خندق العدل والحق انتصارا للمظلومين في مواجهة المعتدين، وامريكا و”إسرائيل” تحديدا.. والأيام بيننا.
رأي اليوم