عبد الباري عطوان
العبارة الوحيدة التي تلفت النظر ووردت على لسان الرئيس الامريكي دونالد ترامب في الأيام الثلاثة الماضية “سينتهي الامر قريبا مع ايران” دون ان يحدد، وهو الثرثار، ما الذي يقصده من هذه “النبوءة”، وكيف ستكون النهاية لهذه الحرب سلما او حربا بعد مرور ثلاثة اشهر على هذه الحرب، التي لم ينتصر فيها او يحقق أيا من اهدافها.
***
الامر المؤكد، وبات موضع اجماع أصدقائه وحلفائه قبل خصومه، وما أكثرهم، ان ترامب يعيش حالة مزمنة من الاحباط، ويشعر بحالة من الخديعة من مفاوضيه الإيرانيين لنجاح استراتيجيتهم في النَفَس الطويل، والمناورة، واضاعة الوقت في التفاصيل، وفق نظرية “نعم ولكن”، خاصة في الملفين الأبرز على مائدة التفاوض، وهما البرنامج النووي الإيراني أولا، والصناعات الصاروخية المتطورة جدا وما تفرع عنهما من هيمنة إيرانية كاملة على مضيق هرمز، وتدمير معظم، ان لم يكن كل القواعد الامريكية في منطقة الخليج.
الوقت ليس في صالح ترامب، فموسم الحجيج للمناطق الإسلامية المقدسة في المملكة العربية السعودية قد بدأ فعليا، ومن المقرر ان تنطلق في أمريكا مباريات كأس العالم بعد أسبوعين تقريبا من نهايته (موسم الحج) وبعد الحدثين العقائدي والرياضي مباشرة هناك الحملات الانتخابية النصفية لمجلس الشيوخ والنواب الأمريكي.
ما نريد الوصول اليه من ذكر كل ما تقدم هو ان ترامب ليس في وضع قوي في تعاطيه مع مصيدة الازمة الإيرانية وتفرعاتها السياسية والدبلوماسية واخطارها الاقتصادية، فأي لجوء للحل العسكري، يجب ان يكون سريعا ومحدودا، ومضمون النتائج، اما تفضيل الحل الدبلوماسي، فلا يمكن ان يعطي ثماره الا بالرضوخ لجميع الشروط الإيرانية، وأبرزها رفع الحصارين، الأول، العسكري عن الموانئ الإيرانية، والثاني عن الاقتصاد الإيراني، ودفع التعويضات عن الاضرار التي نتجت عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران.
في المقابل، يمكن القول ان الموقف الإيراني وبعد ثلاثة أشهر من الحرب والمفاوضات معا، يبدو اكثر قوة وصلابة، فايران “شرعنت” سيطرتها وقوّت قبضتها على مضيق هرمز، ولم تقدم تنازلا واحدا في الملفات التفاوضية الأهم، فما زالت تحتفظ بأكثر من 460 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب (60 بالمئة)، وحقها في الاستمرار في التخصيب باعتباره حقا دبلوماسيا، والاهم من كل ذلك، سقوط النظرية “المقدسة” التي تقول بأن أمريكا العظمى والاقوى عالميا، ومعها دولة الاحتلال الإسرائيلي قادرتان على حسم الحروب لصالحهما، وخاصة في الشرق الأوسط في أيام معدودة، ولا يمكن ان ننسى، او نتجاهل، تهديدات ترامب بمحو ايران من الخريطة وتدميرها بالكامل، وتأكيدات نتنياهو بأن “إسرائيل” قادرة وحدها، ودون مساعدة أمريكا في احتلال ايران وتفكيكها، واسقاط نظامها الحالي واستبداله بآخر.
توقفت كثيرا امام البيان الذي صدر عن مصدر عسكري إيراني اليوم (لا استبعد ان يكون مقر قيادة خاتم الأنبياء) الذي تضمن تحذيرا جريئا للرئيس ترامب وادارته يمكن اختصاره في ثلاث نقاط:
الأولى: أي تصرف احمق للعدو فسيواجه النسخة الثالثة من المواجهة الإيرانية التي ستتجلى في كل الأسلحة والمعدات الجديدة فضلا عن التكتيكات والاستراتيجية العسكرية والأمنية الحديثة.
الثانية: في حال تجاوزت الولايات المتحدة حدودها ولجأت للعمل العسكري، فإنها ستتلقى العقاب الثالث الأكبر في أقل من عام من عدوانها، وسيكون عقابا مفاجئا وغير مسبوق في قوته واعداده وآثاره.
الثالثة: الخيار الوحيد امامك يا ترامب هو الاعتراف بالحقوق الإيرانية كاملة، وقبولها كلها دون نقصان، ووقف العدوان فورا، وسحب جميع القوات ووقف الحروب على كل الجبهات.
ترامب ومعلمه نتنياهو سربا رسالتين مهمتين للإيحاء بأن اللجوء للخيار العسكري واستئناف العدوان بات وشيكا جدا، الأولى تقول ان ترامب سيبقى في واشنطن في الأيام القليلة القادمة، ولن يغادر الى ميامي للمشاركة في حفل زفاف ابنه، والثانية، اعلان الثاني (نتنياهو) حالة الطوارئ والاستعداد القصوى في صفوف الجيش الإسرائيلي تحسبا لقرار امريكي ببدء الحرب.
***
هذه التسريبات لن تخيف، ولن ترهب الإيرانيين الذين على درجة عالية من الجاهزية العسكرية لمواجهة أي عدوان، مضافا الى ذلك ان أي ضربة أمريكية ستكون محدودة جدا، واستعراضية، وربما متفق عليها لتقديم الذريعة لترامب لإعلان الانتصار ووقف الحرب بالتالي، في تفسير، بل وتأكيد واضح لمقولة ترامب “اليتيمة” امس “بأن الامر في ايران سينتهي قريبا”.
الرئيس جونسون انسحب من فيتنام وتنازل عن الحكم للرئيس نيكسون، والرئيس أوباما فعل الشيء نفسه في العراق عندما سحب 160 الفا من قواته في العراق تقليصا للخسائر واعترافا بالهزيمة، والشيء نفسه فعله الرئيس جو بايدن بالهروب المهين من أفغانستان، فهل جاء الدور على ترامب لرفع الرايات البيضاء والهروب من ايران؟
لا نستبعد ذلك مطلقا، فلا العراق ولا أفغانستان تملك الصواريخ الفرط صوت والرؤوس الانشطارية، والإرادة القوية، والاهم من ذلك 460 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن استخدامه لتركيب 10 قنابل نووية على الأقل في غضون أسابيع معدودة ان لم يكن اقل.. والأيام بيننا.
رأي اليوم