عبد الباري عطوان
الجولة القادمة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ستنعقد يومي الخميس والجمعة المقبلين في واشنطن تحت اشراف وزارة الخارجية الامريكية ستكون الأكثر خطورة، لأن الهدف منها ليس الوصول الى اتفاق سلام بين الجانبين اللبناني (الرسمي) والإسرائيلي، وانما لتحالف عسكري يضع لبنان تحت الانتداب الإسرائيلي الدائم.
نتوقع اكثر ونقول ان هذه الخطورة تتمثل في مشاركة وفدين عسكريين من الجيشين اللبناني والإسرائيلي في هذه المفاوضات للمرة الأولى، والهدف “المعلن” مناقشة خرائط وخطوات ميدانية مرتبطة بتمديد وقف اطلاق النار، اما غير المعلن، وحسب تقرير هيئة البث الإسرائيلية امس هو تشكيل “مجموعات عمل” مشتركة للإشراف وتنفيذ خطة نزع سلاح “حزب الله” وتفكيكه، الى جانب مناقشة الخرائط والخطوات المرتبطة بإعادة ترسيم الحدود بين البلدين.
***
وزارة الخارجية الامريكية الحاضنة لهذه المفاوضات اكدت ما نقول آنفا على لسان المتحدث باسمها بقولها “ان هذه المفاوضات تهدف الى إطار للترتيبات لسلام وأمن دائمين، واستعادة لبنان لسيادته بالكامل على أراضيه، وترسيم الحدود وإيجاد مسارات عملية لتقديم المساعدات وإعادة الاعمار، وهذا السلام الشامل يتوقف على استعادة السلطة اللبنانية السيطرة الكاملة على أراضيها، والتفكيك الكامل لسلاح “حزب الله”.
ما يؤكد هذه الفرضية، أي الخطة اللبنانية الإسرائيلية المشتركة للعمل سويا لنزع سلاح حزب الله، والقضاء على وجوده العسكري والسياسي على الأراضي اللبنانية، ان من يترأس الوفد العسكري الإسرائيلي الجنرال عميحاي ليفني رئيس الشعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي، وواضع الخطط العسكرية الميدانية للقضاء على “حزب الله” واجتثاثه من جذوره في الساحة اللبنانية.
الزيارة التي يقوم بها السيد نواف سلام رئيس الوزراء اللبناني الى دمشق وبدأت اليوم، تأتي في إطار هذه الخطة الامريكية الإسرائيلية لنزع سلاح “حزب الله” قائد المقاومة اللبنانية الإسلامية، ومحاولة تحشيد الجيش “السوري” للمشاركة العملية في هذا المخطط جنبا الى جنب مع الجيشين اللبناني والإسرائيلي، من حيث عدم الاكتفاء بإغلاق الثغرات في الحدود اللبنانية السورية لمنع تهريب أي أسلحة من ايران الى “حزب الله”، والمقصود هنا ليس مراكز الحدود المعروفة الرسمية، وانما السرية أيضا.
فالسيد نواف سلام من أكثر المتحمسين في السلطة اللبنانية لمشروع القضاء على المقاومة الإسلامية في لبنان، وضم لبنان ليس الى منظومة السلام الابراهيمي فقط، وانما الى التحالف الكامل في جميع المجالات مع دولة الاحتلال، وتطبيق الخطة “الترامبية الكوشنرية” بتحويل لبنان الى ريفيرا الشرق الأوسط التي فشل تطبيقها في قطاع غزة، فما تفعله الغارات العدوانية الإسرائيلية يوميا في لبنان، هو تكرار النموذج التدميري الذي طبقته في القطاع بعد هجوم “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين اول (أكتوبر) عام 2023.
رفض “حزب الله”، وحاضنته اللبنانية الشعبية الوطنية، هو السلاح الأقوى والأكثر صلابة لضمان إفشال هذا المخطط الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي في لبنان الذي يرمي الى تحويله الى مستوطنة إسرائيلية كبرى، واخراجه من محيطه العربي والإسلامي، فالحزب لم يتعافى من مؤامرة الاغتيالات التي استهدفت قيادته فقط، وانما أعاد ترتيب بيته الداخلي، وتحديث وتوسيع دائرته العسكرية وتدعيمها بالصواريخ والمسيّرات الحديثة جدا، والنزول تحت الأرض، واختيار قيادات عسكرية واستخبارية شابة تخرجت من اهم الاكاديميات العسكرية الصديقة في الصين وروسيا وكوريا الشمالية، جنبا الى جنب مع ايران أيضا.
والاهم من ذلك ان قيادة الحزب وحاضنته الشعبية، صمدت لما يقرب من العام ونصف العام امام الاستفزازات الإسرائيلية وانتهاك وقف اطلاق النار منذ تشرين ثاني (نوفمبر) عام 2024 لاكثر من 8000 مرة، لإكمال عملية الاستعداد عسكريا للمواجهة الكبرى الحالية، والعودة بقوة وجاهزية عسكرية متكاملة.
***
“حزب الله” خدع الكيان الإسرائيلي، مثلما خدع القوى اللبنانية الموالية له بصمته الاستراتيجي، وهذا الاستنتاج القديم المتجدد من جانبنا طوال الفترة الماضية أكده ناحوم برنياع كبير المحليين السياسيين والعسكريين في صحيفة “يديعوت احرونوت” الإسرائيلية في مقال له نشرته اليوم، وكان أبرز ما جاء فيه “ان المخابرات الإسرائيلية اساءت تقدير وقوة “حزب الله” المتجدد والمتعافي”.
المسيّرات الانغماسية “الانتحارية الملغمة” والشبحية التي طورتها الادمغة اللبنانية العسكرية العملاقة، والمجهزة بالألياف الضوئية، باتت تشكل رعبا وجوديا لدولة الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيها في الجليل وحيفا وتل ابيب، لتدميرها مجددا اسطورة دبابة الميركافا، واصطياد الجنود الإسرائيليين كالعصافير من ارتفاع منخفض، ونبشّر السلطتين اللبنانية والإسرائيلية وراعيهما الأمريكي، بأن سلاح “حزب الله” باق، ويتطور، ولن تنجح كل المؤامرات لنزعه، وان عودته الى الميدان مستمرة وطويلة الأمد، ولن يكون هناك قبول بوقف اطلاق نار آخر الا بعد تحقيق النصر الكامل، فالزمن لن يعود الى الوراء مطلقا.. والأيام بيننا.
رأي اليوم