يرى مراقبون أن حركة فتح تقف اليوم أمام واحدة من أعقد أزماتها منذ انطلاقتها، بعد عقود من التحولات والانكسارات التي أعادت فتح ملف الأسئلة الكبرى المتعلقة بمشروعها الوطني ودورها القيادي في الساحة الفلسطينية.
ويشير هؤلاء المراقبون إلى أن الحركة التي مثّلت لعقود طويلة العمود الفقري للمشروع التحرري الفلسطيني، ورفعت لواء الكفاح المسلح بوصفه جوهر هويتها، تواجه اليوم واقعًا مغايرًا تمامًا؛ واقعًا تراجع فيه حضورها الميداني، وتآكل خيارها السياسي، وتداخلت فيه التحديات الداخلية مع ضغوط الاحتلال وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، ما جعل مستقبل دورها ومسارها السياسي موضع مراجعة عميقة.
فشل المشروع السياسي
وقال المحلل السياسي عادل شديد إن حركة فتح، ومعها منظمة التحرير الفلسطينية، تعيش مرحلة شديدة الحساسية والدقة، لأسباب عديدة، وفي مقدمتها فشل المشروع السياسي الذي تبنّته الحركة منذ منتصف السبعينيات.
وأوضح شديد في حديث لـ”قدس برس”، أن فتح اختارت منذ عام 1974 مسارًا سياسيًا متدرجًا، تكرّس في إعلان 1988، ثم تُوّج باتفاق أوسلو الذي اعتبرته القيادة حينها بوابة لانسحاب إسرائيلي من القدس والضفة وقطاع غزة، تمهيدًا لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أن النتائج، كما يؤكد شديد، جاءت عكس ما كان مأمولًا.
وأشار إلى أن الواقع الفلسطيني اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه قبل عام 1993؛ إذ تخضع الضفة الغربية لسيطرة مشددة، وتخرج غزة تدريجيًا من الحسابات، فيما تعيش القدس عزلة كاملة.
أما السلطة الفلسطينية التي أنشأتها فتح باعتبارها نواة للدولة المقبلة، فقد تحولت ـ بحسب شديد ـ إلى سلطة بلا صلاحيات، محاصَرة ومقيّدة، بعدما نجح الاحتلال في صياغة واقع تتحرك فيه السلطة دون قدرة سياسية أو وطنية فعلية.
وبيّن شديد أن تعقيد المشهد تفاقم مع بروز حركة حماس كقوة منافِسة وخصم سياسي، وهي قوة لم تكن مطروحة في العقود التي كانت فيها فتح تمثل العمود الفقري لمنظمة التحرير والحركة الوطنية والثورة الفلسطينية، وترتكز في مشروعها على الكفاح المسلح.
وأضاف أن التحدي الأكبر الذي تواجهه فتح اليوم لا يقتصر على فشل مشروعها السياسي ولا على القطيعة مع غزة، بل يشمل صعوبة استعادة دورها التاريخي كحركة تحرر وطني، وإعادة بناء عقيدتها الكفاحية ومشروعها التحريري.
وفي المقابل، يرى شديد أن خيار إقامة دولة فلسطينية بات شبه مستحيل، إذ لم يعد يُتعامل معه بجدية في ظل واقع يفرضه الاحتلال على الأرض، ويقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
بين مطرقة الارتهان الإقليمي وسندان إدارة السلطة
من جهته، قال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن حركة فتح، التي تأسست على أساس تحرير التراب الفلسطيني، سرعان ما وجدت نفسها أسيرة التوازنات العربية وصراعات الأنظمة، ما أدى إلى انقسام مبكر داخلها بين خطٍّ ثوري متمسك بالمقاومة وخطٍّ آخر ارتبط بالمحاور العربية وإيقاعاتها السياسية.
وأوضح القيق في حديث ل”قدس برس” أن هذا الارتباط، في ظل الهيمنة الأمريكية على القرار الإقليمي، خلق صراعًا فكريًا داخل الحركة، مع محاولات لجرّها نحو نموذج جديد يتماهى مع الواقع الدولي ومتطلباته، باعتبار أن بوابة “الدولة الفلسطينية” تمر عبر الساحة العالمية وتحالفات معينة في الإقليم.
غير أن هذه الرهانات ـ كما يؤكد ـ سقطت أمام اختبار الواقع، وتركت أثرًا عميقًا على هوية الحركة ومسارها.
وأشار القيق إلى أن الصوت المقاوم داخل فتح تراجع تدريجيًا لصالح انشغالها بإدارة السلطة الفلسطينية ومتطلبات اليومي، فضلًا عن التزاماتها الدولية التي كبّلت دورها وحدّت من خياراتها. ومع الوقت، تحوّلت بعض قيادات الحركة إلى تبنّي خطاب “دولة المؤسسات” بدلًا من “دولة التحرير”، وهو تحول اعتبره القيق انكسارًا في الرواية التاريخية للحركة.
وأضاف أن افتراق فتح عن البيئة الفلسطينية وعن شراكاتها الفصائلية ساهم في إضعاف حضورها، وأن القيادة الحالية تعيد الأخطاء نفسها، خصوصًا بعد قبول مشروع الدولة على حدود 1967، بما جعل الحركة عرضة لضغوط وابتزازات إسرائيلية متواصلة عبر ملف السلطة وامتيازات المسؤولين.
ويرى القيق أن مرحلة ما بعد ياسر عرفات شهدت تكريس قيادة جديدة تؤمن بالمشاركة في النظام الدولي كخيار وحيد، ولو على حساب الثوابت، فيما اختفى الصوت الذي كان ينادي بعودة الكفاح المسلح منذ شطبه رسميًا في نهاية تسعينيات القرن الماضي. وهكذا بات بقاء الحركة — وليس تحقيق مشروعها الوطني — هو الأولوية التي تحكم القرار.
وأكد أن الأزمة تعمقت مع تفاقم الفساد داخل السلطة وتراجع رموز فتح التاريخيين الداعمين لتجديد الميثاق وإحياء النهج الكفاحي، ما سمح بتثبيت النموذج الذي سعت إليه واشنطن وتل أبيب، والقائم على تحويل حركة تحرر إلى إدارة مدنية بلا إنجاز سياسي ملموس.
وفي سياق مقارن، يرى القيق أن إسرائيل تحاول تطبيق النموذج ذاته على حركة حماس، من خلال عزلها عن محيطها العربي، ودفعها لاحقًا للبحث عن منافذ اتصال، مع تكريس قطيعة بينها وبين فتح بما يجعل المصالحة شبه مستحيلة. وهذا ـ بحسبه ـ أحد أخطر خسائر المشهد الوطني الفلسطيني.
ويخلص القيق إلى أن الاستفراد الإسرائيلي بكل حركة مقاومة، وإشغالها بإدارة شؤون الفلسطينيين، ومنع ظهور تيارات كفاحية جديدة، يمثل سياسة ثابتة تهدف إلى احتواء الحركات لا القضاء عليها. ولذلك فإن قراءة تجربة فتح اليوم، من داخلها ومن زاوية الفصائل الأخرى، ضرورة لفهم التحولات العميقة التي تضرب بنية الحركة ومسار القضية الفلسطينية.
قدس برس