د. فايز أبو شمالة
شكر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي بن غفير قائد مجموعة الجند الصهاينة، الذين قتلوا اثنين من العرب الفلسطينيين بعد استسلامهم، ورفع الأيدي، لقد منح بن غفير قائد المجموعة ترقية تشجيعاً وتأييداً، وهذه ليست سابقة إسرائيلية، لا في القتل المتعمد لمن يرفع يديه مستسلماً، ولا في تبرئة القاتل من دم الضحية طالما كان عربياً فلسطينياً.
القتل المتعمد للعرب الفلسطينيين سياسة إسرائيلية عليا، فالقرار الميداني بيد الضابط والجنود، ولهم الحق في القتل دون تردد، وبيد خفيفة على الزناد، والحجة هي: أن القتيل العربي قنبلة متفجرة، أو كان القتيل العربي يشكل خطراً على الجنود، أو كانت لديه النية لممارسة الإرهاب ضد الجنود، وضمن هذه السياسة تمت تصفية آلاف العرب الفلسطينيين من نساء وأطفال وشباب وعجائز في غزة، والتهمة للقتيل العربي جاهزة، والتبرئة للقاتل الإسرائيلي لا تحتاج إلى بينه.
في غزة تسلمت وزارة الصحة الفلسطينية 346 جثماناً لمجموعة من العرب الفلسطينيين الذين اعتقلهم الجيش الإسرائيلي أحياء، أثناء عدوانه على غزة، وتحت التعذيب والسلخ تمت تصفيتهم، وأعاد العدو الإسرائيلي الجثامين، بعضها مقيد اليدين من الخلف، وذلك يعني أن هذا الشخص قد تمت تصفيته وهو مقيد، وبعض الجثامين ممزقة الوجه بالمشرط، وبعض الجثمانين مبتورة اليد أو الرجل بشكل وحشي، وبعض الجثامين ممزقة لحمها من الظهر بالسكين، ذلك يعن أن صاحب هذا الجثمان ظل ينزف الدم والوجع حتى قضى، وبعض الجثامين يلتف على عنقها الحبل، وذلك مؤشر على الإعدام شنقاً، وشواهد أخرى تؤكد أن العدو الإسرائيلي بجيشه وأجهزته الأمنية يمارس إعدام العرب الفلسطينيين دون محاكمة، ودون تهمة، ولمجرد الشبهة أحياناً، ولإطفاء نار الأحقاد الصهيونية أحياناً، وللاختباء خلف الرعب من المستقبل حيناً، وللتلذذ بتعذيب الضحية، والاستمتاع بمشاهد موت العرب.
ومن لم يمت حقيقة بسيف الإرهاب الإسرائيلي، ولما يزل جثمانه حياً في السجون الإسرائيلية، فهؤلاء يموتون في كل ساعة تحت الجوع والتعذيب، وقد تفاخر وزير الأمن الداخلي بن غفير بذلك، ونشر أشرطة فيديو تصور الأوضاع القاسية والوحشية التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون، نشرها للتشفي من جهة، ولإسناد المعنويات الإسرائيلية المنهارة بعد معركة طوفان الأقصى من جهة أخرى، هؤلاء الشباب العربي القابع في السجون الإسرائيلية يواجه الموت البطيء الثقيل بشكل يغدو معه الموت السريع الخفيف رحمة، وخلاصا ًمن بئر العذاب الذي لا تنضب أحقاده الصهيونية.
بعد كل هذا القتل المتعمد لعشرات آلاف العرب الفلسطينيين في غزة، وبعد كل هذا التعذيب الممنهج لعشرات آلاف العرب الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، هل ظل معنى لإقرار الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى قانون الإعدام للفلسطينيين، وكأن كل عمليات القتل والإعدام الميداني السابقة لا تكفي، ولا تشبع شهوة امتصاص الدماء الكامنة في النفس الصهيونية، والمتعطشة لرؤية المزيد من دماء العرب النازفة، والمزيد من الجثث العربية فاقدة الحياة.
الإعدام الميداني الذي يمارسه العدو الإسرائيلي، والإعدام القضائي الذي ناقشته الكنيست الإسرائيلي لا يختلفان، طالما كانت النتيجة هي موت العربي الفلسطيني، ولأن الموت السريع أو الموت البطيء هو القرار الإسرائيلي، لذلك اختار شباب كتائب القسام المحاصرين في أنفاق رفح المحتلة الموت جوعاً وعطشاً وخنقاً في الأنفاق على أن يسلموا أنفسهم للعدو الإسرائيلي، لقد اختاروا طريق البحث عن مخرج إلى الحرية بكل السبل، إلا سبيل الاستسلام للعدو، ليمارس عليهم إرهابه، ويتشفى بعذابهم.
شباب الأنفاق في رفح هو خير أمّةٍ أُخرجت للناس، ولا عربي نقي يتشكك في ذلك، شباب الأنفاق تعاقدوا على الشهادة، وتعاهدوا على مواجهة عدوهم، وتعانقوا عند الشهادة، بعد أن خذلتهم أمتهم، وغدرت بهم الوقائع، وعاندتهم المستجدات، ولكنهم ظلوا محافظين على عقيدتهم، وعقدهم القتالية، وعلى سلاحهم، حتى الرمق الأخير من حياتهم، هؤلاء الشباب لم يموتوا، ولن يموتوا أبداً، هؤلاء الشباب حكاية شعب يرفض أن يذوب، ويرفض أن يستسلم، ويرفض أن يفرّط بالأرض العربية في فلسطين، ويرفض أن يخون المقدسات الإسلامية والمسيحية على أرض فلسطين.
كاتب فلسطيني/غزة
رأي اليوم