عبد الباري عطوان
كانت الكلمة التي القاها الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر الفيديو في مؤتمر “حل الدولتين” الذي انعقد في الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك يوم امس الاثنين صادمة ومخيبة للآمال وغير موفقة على الاطلاق، ولا ترتقي الى مستوى معاناة الشعب الفلسطيني ونضالاته وإرثه وصموده ومقاومته سواء في الوطن او المنفى.
الرئيس عباس لم يتطرق فيها الا على إستحياء شديد جدا لما يجري من مجازر وحرب إبادة وتجويع وتهجير وتدمير، وكأنه يتحدث كمراقب دولي من كوكب آخر، والأخطر من ذلك ساوى في ادانته وتنديده بجرائم الاحتلال ومجازره في قطاع غزة والضفة الغربية وبين دولة الاحتلال ومجازرها عندما قال في كلمته وننقل حرفيا: “ندين جرائم الاحتلال كما ندين قتل وأسر المدنيين بما في ذلك ما قامت به حركة “حماس” في 7 تشرين اول (اكتوبر) عام 2023″، وذهب الى ما هو أبعد من ذلك عندما أكد في الكلمة نفسها “لن يكون لحركة “حماس” أي دور في الحكم، وخاصة في قطاع غزة، وعليها وغيرها من الفصائل تسليم السلاح للسلطة، لأننا نريد دولة واحدة غير مسلحة، وقانونا واحدا، وقوات أمن واحدة”، مشددا على “ان السلطة ماضية في أجندة اصلاح شاملة تعزز الحوكمة والشفافية، وصياغة دستور مؤقت، وترسيخ ديمقراطية عصرية قائمة على سيادة القانون والتعددية، وتداول السلطة والمساواة العدالة”، سبحان الله يتحدث وكأنه مواطن سويدي او سويسري.
***
أي دستور هذا الذي يتحدث عنه الرئيس عباس، واي إصلاحات، واي ديمقراطية عصرية هذه التي يحدث عنها وتقوم على سيادة القانون والتعددية وتداول السلطة، وهو نفسه الذي يقرر مسبقا بأنه لا دور لحركة “حماس” في الحكم والحياة السياسية، وهي التي حققت أكبر إنجاز في تاريخ القضية الفلسطينية من خلال “طوفان الاقصى” الذي نسف المشروع الصهيوني من جذوره، وشكل أكبر اختراق أمني واستخباري وعسكري منذ اغتصاب فلسطين قبل 76 عاما؟
والغريب ان الرجل يقدم هذه التنازلات “المعيبة” استرضاء لدولة الاحتلال وللدولة الامريكية ورئيسها التي لم تحترم مطلقا اتفاق أوسلو الذي “هندسه” وروج له، ولم تف بتعهداتها وضماناتها بإقامة دولة فلسطينية في غضون 5 سنوات من توقيعه، وكافأته أمريكا، ليس بتوطين 850 الف مستوطن يهودي في الضفة الغربية فقط، وانما منعته ايضا من دخولها للمشاركة في مؤتمر حل الدولتين، وحضور الجلسة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكل أعضاء وفده التسعين، فهل هناك إذلال وركوع أكثر من ذلك؟
الشعب الفلسطيني البطل الصامد الذي قدم أكثر من 65 الف شهيد وأكثر من 150 الف جريح طوال العامين الماضيين من الصمود الأسطوري هو الذي سيقرر من يمثله ومن يحكمه، ويصيغ الدستور الجديد للدولة الفلسطينية، ومن المؤكد ان حركات المقاومة التي ما زالت تتصدى للاحتلال في جبهات القتال، وتحقق انتصارات ميدانية عسكرية كبيرة ستكون هي صاحبة الكلمة الأخيرة وفاءا لدماء الشهداء وأرواحهم، وتجاوبا مع وصاياهم.
***
من حمل البندقية، وتصدى لحرب الإبادة والتجويع والتطهير العرقي، هو الذي نجح في فضح هذا الكيان العنصري، ومزق كل الأقنعة عن وجهه الدموي البشع، وأحدث انقلابا ضده في أوساط الرأي العام العالمي، والغربي على وجه الخصوص، ولولا هذا الصمود المقاوم لأكثر من عامين، لما حدثت هذه الاعترافات بالدولة الفلسطينية “الورقية” من أكثر من 160 دولة وكيان حتى الآن، وجعل من الكيان ومستوطنيه مكروها في العالم كله.
أخيرا نقول للرئيس عباس انه لم يبق امامك في البقاء على رأس سلطتك في المقاطعة، مقرك في رام الله الا بضعة أيام على الأكثر، لأننا لا نستبعد ان اول قرار سيتخذه هذا النازي نتنياهو بعد عودته من الأمم المتحدة، وبضوء أخضر من تابعه ترامب، هو ضم الضفة الغربية، وطرد السلطة.. فماذا ستفعل أيها الرئيس الموقر؟ ألم يكن من الأشرف لك لو نفذت تهديداتك قبل عشر سنوات بحل السلطة، واغلاق الدكان، وإعادة المفاتيح الى نتنياهو.
نعم ستذهب الى منزلك في عمان.. اما المقاومة فباقية في ميدان المواجهة حتى النصر بإذن الله، أسوة بكل حركات المقاومة في التاريخ.. والأيام بيننا.
رأي اليوم