عبد الباري عطوان
كنا دائما نردد في هذا المكان عبارة مأثورة مدعومة بالأدلة، تقول “ان أمريكا ليست معصومة عن الهزيمة”، ونضرب مثلا بافغانستان والعراق واليمن، ولكننا ووجهنا دائما بالتشكيك بهذه الحقائق، والقول بعكسها، من خلال تمجيد للقوة الامريكية وتفوقها، وحليفتها الإسرائيلية، لدرجة المبالغة فيها، وتعظيمها من قبل الذين يقاتلون تحت راياتها في العالمين العربي والإسلامي، ويروجون لأكاذيبها المصاغة بشكل دقيق، سواء في وسائل الاعلام التقليدية او الحديثة الرقمية في السوشيال ميديا.
***
اليوم، ومن محاسن الصدف، حدوث أربعة تطورات رئيسية تدعم نظريتنا، وتوضح روايات الكذب، والتضليل الغربية، والأمريكية والاسرائيلية منها على وجه الخصوص:
التطور الأول: اعلان وزارة الدفاع الامريكية وبطلب من ترامب طرد الجنرال جيفري كروز رئيس الاستخبارية العسكرية الدفاعية فيها، بعد خدمة استمرت لأكثر من 34 عاما، والذنب الذي ارتكبه هو قول الحقيقة عندما اكد في تقرير “مهني” أعده وزملاؤه، ان العدوان الأمريكي الإسرائيلي المزدوج على المنشآت النووية الإيرانية في حزيران (يونيو) الماضي، لم تحقق الهدف الأكبر منه، وهو تدميرها بالكامل، وأشار بالأدلة الموثقة في هذا التقرير الموسع ان مفعول هذه الضربات، ورغم القنابل العملاقة التي استخدمت فيها، كانت محدودة النتائج، وأدت لوقف البرنامج النووي الإيراني لعدة أشهر فقط، مما يتناقض كليا مع تصريحات الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اكدا فيها ان التدمير كان شاملا ومزلزلا.
التطور الثاني: كشف الجنرال عزيز نصير زادة وزير الدفاع الإيراني اليوم في حديث لمحطة محلية تابعة للتلفزيون الرسمي، “اسرار” مهمة، عن حرب الـ 12 يوما التي تمثلت في العدوان الإسرائيلي الأمريكي المزدوج الأخير على ايران عندما قال “لو ان هذه الحرب استمرت ثلاثة أيام أخرى، لكانت الهزيمة الإسرائيلية اكبر بكثير”، وأوضح اكثر انه في الأيام الثلاثة الأخيرة (اليوم التاسع من الحرب) “لم يكن في إمكان الإسرائيليين صد أي صاروخ إيراني، بسبب القدرات العالية للصواريخ الإيرانية، وفشل المضادات الدفاعية الإسرائيلية في اعتراض معظمها، بسبب الإدارة العسكرية المتطورة لها، ودقتها على الصعيدين التدمري وإصابة الأهداف، وتشتيتها لبطاريات الصواريخ المضادة بخطة مدروسة جيدا، ولنا تعليق في نهاية المقال على هذه المسألة.
التطور الثالث: كشفت مصادر عسكرية إيرانية دقيقة للمقاومة في لبنان، ان روسيا والصين زودتا ايران بأسلحة جديدة متطورة وخاصة في مجال الدفاع الجوي بما يؤهل جيشها بالتصدي لطائرات وصواريخ أمريكية وإسرائيلية قد تحاول تكرار العدوان السابق، علاوة على “ترميم” كل المنشآت النووية التي تضررت من جراء العدوان الثنائي الإسرائيلي الأمريكي.
التطور الرابع: كشف وزير الدفاع الإيراني الجنرال زادة ان ايران أقامت مصانع عسكرية في بعض الدول الحليفة في المنطقة، دون ان يحددها، ولكن مصادر مقربة من ايران رجحت ان تكون في العراق واليمن وربما لبنان أيضا، كما كشفت أيضا في كلمة له في احتفال بيوم الدفاع الإيراني جرى يوم امس الأول في طهران، ان صواريخ جديدة سيتم استخدامها في الرد على أي عدوان إسرائيلي جديد، يبلغ حمولتها 25 طنا، ومزودة برؤوس انشطارية ويستطيع الواحد منها تدمير قرية بالكامل علاوة على مفاجآت أخرى.
هذه التطورات الأربعة تأتي في وقت تعود فيه التهديدات الامريكية والإسرائيلية بشن عدوان جديد على ايران في محاولة لتصحيح الفشل، بل والهزيمة التي مني بها العدوان الأول، وعدم قدرة الرئيسين الأمريكي والإسرائيلي بتدمير البرنامج النووي الإيراني أولا، والبرنامج الصاروخي المتطور جدا، وأخيرا تغيير النظام الإسلامي الإيراني بإشعال فتيل ثورة شعبية داخلية.
***
نختم هذا المقال وبعد عرض التطورات الأربعة المذكورة آنفا بالتوقف عند محطتين رئيسيتين:
الأولى: استوقفتنا المعلومات الجديدة التي وردت في مقابلة الجنرال عزيز نصير زادة التلفزيونية وأبرزها تلك التي قال فيها “انه لو استمر الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي بالصواريخ التي قصفت تل ابيب وحيفا وبئر السبع وصفد وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة لكانت الهزيمة والدمار المترتب عليها أكبر”، الأمر الذي يدفعنا الى توجيه سؤال نعتقد انه مهما جدا الى الجنرال نصير زادة وهو عن سبب عدم الاستمرار في القصف الصاروخي وتمديده ثلاثة أيام أخرى، طالما ان الصواريخ الإيرانية دمرت الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية وأبطلت مفعولها بطريقة شبه كاملة؟
ما يؤكد هذه الحقيقية، أي القدرة العالية على استمرار القصف الإيراني، ونزول 7 آلاف مستوطن إسرائيلي الى الملاجئ طول فترة الحرب (12 يوما) كانت متاحة، ونتمنى على الجنرال نصر زادة، او أي مسؤول إيراني آخر ان يجيبنا والملايين من العرب والمسؤولين عن هذا السؤال.
الثانية: اننا كنا على رأس المؤمنين بهزيمة الثنائي الأمريكي الإسرائيلي في حرب الاثني عشر يوما، ولم نصدق مطلقا تصريحات ترامب ونتنياهو المعاكسة، لأننا كنا، وما زلنا، نستمد معلوماتنا من المصادر الموثوقة المتمثلة في العديد من بعض المصادر الإعلامية الامريكية والروسية التي نقضت الرواية الرسمية، وجاءت على لسان ترامب ونتنياهو فور وقف اطلاق النار الذي جاء باستجداء إسرائيلي لتقليص الخسائر، مثلما نستمدها أيضا من معلومات شهود العيان من أهلنا في فلسطين الداخل، أي المناطق المحتلة عام 1948، وفي الضفة الغربية، الذين صعدوا الى سطوح منازلهم لتكحيل عيونهم بالصواريخ الإيرانية التي كانت تتلألأ في الاجواء وهي في طريقها الى أهدافها في تل ابيب وحيفا، وتضرب ناطحات السحاب ومئات البنايات والأهداف العسكرية والمدن، وأبرزها معهد وايزمان التكنولوجي الأضخم في العالم، فأحد الأصدقاء الذي وصل الى عمان من القدس المحتلة حدثنا كيف تحولت تل ابيب وحيفا الى مدن أشباح، وكيف انهارت معنويات سبعة ملايين مستوطن، وبدأ معظمهم يستعدون للهروب بلا عودة، ايمانا بأن “إسرائيل” لن تنعم بالأمن والاستقرار وبات جيشها غير قادر على حماية مستوطنيها واستمرار المشروع الصهيوني.
تفكيك أمريكا لقاعدة “عين الاسد” في العراق، واخلاء جنودها واسلحتها، أحد أبرز المؤشرات على قرب العدوان الثاني، وربما تتلوها قواعد أخرى قريبا.. ولنا عودة.
رأي اليوم