You are currently viewing “أشجع مراسلة بالعالم” لـ”القدس العربي”: قضيتُ حياتي بتغطية حروبٍ وحشية لكن لا شيء يضاهي مأساة غزة

“أشجع مراسلة بالعالم” لـ”القدس العربي”: قضيتُ حياتي بتغطية حروبٍ وحشية لكن لا شيء يضاهي مأساة غزة

قالت الصحافية والحقوقية الأمريكية،جانين دي جيوفاني إن ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة غير مسبوق على الصعيد الإنساني والدولي، سواء من حيث حجم الدمار والعدد الهائل للضحايا، أو اللامبالاة العالمية والاستهزاء بالقانون الدولي.

وتُعتبر جانين دي جيوفاني واحدة من أبرز المراسلين الحربيين في العالم، فعلى مدى ثلاثة عقود، غطت معظم مناطق الصراع الرئيسية في العالم لكبريات الصحف الدولية، فضلا عن تأليفها ثمانية كتب، من بينها “صباح مجيئهم إلينا: تقارير من سوريا” الذي حصد شهرة دولية كبيرة، وتدريسها في عدد من الجامعات الأمريكية، إضافة إلى تأسيسها مشروع “الحساب” عام 2022، وهو مبادرة دولية لتوثيق جرائم الحرب. وخلال عملها نالت جيوفاني عشرين جائزة دولية، ما دفع البعض إلى منحها لقب “أشجع مراسلة في العالم”.

ودوّنت قبل أيام على حسابها في موقع إكس “لقد غطيتُ 18 حربًا على مدار 35 عامًا. تعرضتُ لإطلاق النار، والخطف، والتهديد، وكدتُ أتعرض للاغتصاب. فقدتُ أصدقاء من سراييفو إلى سوريا. ظننتُ أني رأيتُ أسوأ ما في الإنسانية. لكنني كنتُ مخطئة. لا شيء يُضاهي (مأساة) غزة – أو التواطؤ الذي سمح بحدوثها”.

“كل صراع غطيته كان مروعاً بوحشيته الخاصة ولكن غزة حالة غير مسبوقة في الطريقة التي تتكشف بها الأحداث تحت أنظار المجتمع الدولي بأكمله”.

وأوضحت جيوفاني، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “ما قصدته عندما كتبتُ ذلك كان شخصيًا للغاية. بعد ثلاثة عقود ونصف من تغطية النزاعات – من البوسنة إلى رواندا، ومن العراق إلى سوريا، وعشرات النزاعات الأخرى – ظننتُ أنني رأيتُ أحلك أعماق القسوة الإنسانية. تركت تلك الحروب ندوبًا على مجتمعات بأكملها. فقدتُ زملاءً وأصدقاء. عشتُ مواقف استُهدف فيها المدنيون عمدًا، واستُخدم فيها الحصار والتجويع كأسلحة، وجُرِّد الناس من كرامتهم”.

وأضافت: “لكن غزة أثّرت بي بشكل مختلف. لا يتعلق الأمر بحجم الدمار أو العدد الهائل من أرواح المدنيين الذين أُزهقت أرواحهم (رغم أن هذا مرّوع)، بل هو أيضاً الشعور بالخذلان: إذ يُستهزأ بالقانون الدولي، المُفترض حمايته، أمام أعين الجميع، بينما يقف العالم مكتوف الأيدي أمامه. هذا التواطؤ، وصمت الحكومات والمؤسسات التي يُفترض بها احترام القواعد، هو ما يجعل الأمر يبدو مختلفاً عن أي شيء غطيته سابقاً”.

الفصل بين العمل الصحافي والواجب الإنساني

وحول إمكانية اعتبار العدوان على غزة كـ”أسوأ حرب” شهدتها خلال مسيرتها، قال جيوفاني: “الأمر لا يتعلق بالمنافسة على “أسوأ الحروب”. فكل صراع غطيته كان مروعاً في حد ذاته، بوحشيته الخاصة. ما يُمكنني قوله هو أن غزة حالة غير مسبوقة في الطريقة التي تتكشف بها الأحداث تحت أنظار المجتمع الدولي بأكمله، الذي يبدو إما عاجزاً أو غير راغب في التحرك. هذا المزيج – معاناة إنسانية هائلة ولا مبالاة عالمية – هو ما دفعني لكتابة هذه الكلمات”.

وأضافت: “أشعر بالحزن على غزة. كل يوم تقريباً أقرأ شيئاً يُبكيني، يُغضبني، ويُحبطني. وهذا يدفعني لمحاولة مساعدة أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والزملاء داخل غزة، ودعمهم ومساعدتهم على الخروج إلى مناطق أخرى إذا كان يرغبون بذلك”.

وحول كيفية فصل الصحافي بين عمله وواجبه الإنساني، قالت جيوفاني “لم أكن يومًا من الصحافيين ذوي النظرة الفولاذية والمنعزلين. أنا أم، وكلما رأيتُ طفلًا في منطقة حرب، أفكر فورًا في ابني وكيف سأشعر لو كان مكانه. وأفكر في كل عائلة نازحة، كل جريح أو جائع، وآخذ هذه الأمور على محمل شخصي للغاية. هل كان ذلك مفيدًا لصحتي النفسية أو العقلية؟ لا. لكنني أؤمن أيضًا أن هذا هو معنى أن تكون إنسانيا. نحن هنا لنستجيب لآلام بعضنا البعض، لا لنُشيح بنظرنا عنها”.

“ليست مهمة الصحافي ترديد التصريحات الرسمية بل تحدّيها والتحقيق فيها وإسماع أصوات من يعيشون في ظل الحرب”

وأضافت: “في الحقيقة، لطالما ألغيت الخط الفاصل بين عملي الصحافي والشعور بالواجب الإنساني. لقد نشأتُ على إيمانٍ بأن علينا مسؤولية حماية الضعفاء، وأن الوقوف مكتوفي الأيدي ليس خيارًا. وأكره المتنمرين، سواءً كانوا أفرادًا أو دولًا. لقد شكّل هذا الشعور بالواجب أسلوب عملي، للأفضل أو للأسوأ. لقد أثّر ذلك سلبًا على صحتي وحياتي، لكنني لا أندم عليه. إن مشاهدة المعاناة والبقاء غير مبالٍ، بالنسبة لي، سيكون فشلًا أكبر بكثير”.

وسائل الإعلام لم تعد محايدة

وينتقد البعض “تواطؤ” بعض وسائل الإعلام الغربية مع حكوماتها في “تحريف الحقائق” و”التستر” على الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، ومحاولة تصوير دولة الاحتلال الإسرائيلي كـ”ضحية” وتحميل الفلسطينيين مسؤولية موتهم.

وعلقت جيوفاني على ذلك بقوله: “عندما نتحدث عن “التواطؤ”، فهذا يعني الطريقة التي تتبنى بها بعض وسائل الإعلام الغربية في كثير من الأحيان تصورات حكوماتها بدلاً من التدقيق فيها بشكل مستقل. وفي حالة غزة، يتم تصوير إسرائيل في المقام الأول كضحية، بينما يُلام الفلسطينيون على الدمار الذي لحق بهم. أحيانًا يحدث هذا بسبب الضغط السياسي، وأحيانًا بسبب الخوف من فقدان أو تقييد العمل، وأحيانًا أخرى بسبب عادات راسخة في التغطية الإعلامية. لكن النتيجة واحدة: تشويه الواقع على الأرض، والتقليل من معاناة المدنيين أو طمسها”.

وأضافت: “ليست مهمة الصحافي ترديد التصريحات الرسمية، بل تحديها، والتحقيق فيها، وإسماع أصوات من يعيشون في ظل الحرب. وعندما يتم إهمال هذه المسؤولية، فإن وسائل الإعلام لم تعد محايدة، بل أصبحت جزءا من الآلية التي تسمح باستمرار هذا العنف”.

“قضيتُ حياتي في تغطية حروبٍ استُخدم فيها الدين والأيديولوجيا لتبرير العدوان وغالبا ما ينتهي الأمر إلى المزيد من القتل والعنف”.

وعلقت جيوفاني على الضغوط الدولية التي تعرضت لها المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي، والمدعي العام للجنائية الدولية، كريم خان، بعد انتقادهما لإسرائيل، بالقول: “يُظهر ما حدث لفرانشيسكا ألبانيزي وكريم خان مدى صعوبة التحدث بصراحة عن غزة. عندما يُثير مسؤولو الأمم المتحدة أو المدعون العامون الدوليون مخاوف بشأن جرائم حرب محتملة، يُهاجمون على الفور، ويتم تشويه سمعتهم، أو يُتهمون بالتحيز. وبدلاً من مناقشة الأدلة، غالبًا ما تحاول الحكومات (الغربية) وحلفاؤها إسكاتهم أو نزع الشرعية عنهم”.

وأضافت: “هذا مُقلق للغاية، لأن القانون الدولي لا معنى له إلا إذا سُمح لمؤسساته وممثليه بالعمل دون ترهيب سياسي. سواءً اتفقتَ مع ألبانيزي أو خان أم لا، فإن دورهما هو دعم مبادئ القانون وحقوق الإنسان. إذا حرمناهما من ممارسة هذا الأمر باستقلالية – أو عاقبناهما على أداء وظيفتيهما – فإننا نُقوّض النظام ذاته الذي وُضع لحماية المدنيين في أوقات الحرب”.

الكتاب المقدس كسلاح سياسي

وحول “رؤية إسرائيل الكبرى” التي تحدث عنها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، قالت جيوفاني: “عندما يتحدث نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى” ويلجأ إلى النصوص التوراتية لتبريرها، فهذا أمر مُقلق للغاية. لقد قضيتُ حياتي في تغطية حروبٍ استخدم فيها القادة الدين أو الأيديولوجيا لتبرير العدوان – من البلقان إلى الشرق الأوسط. ودائمًا ما تنتهي بنفس النتيجة: المزيد من العنف والنزوح والقتل”.

وأضافت: “ما يقترحه (نتنياهو) لا يتعلق بالأمن، بل بالتوسع. وهو يتجاهل القانون الدولي، والحدود القائمة، والأهم من ذلك، حقوق سكان تلك الأراضي. بالنسبة لي، فإن استخدام الكتاب المقدس كسلاح سياسي ليس رؤيةً للسلام، بل تحذيرٌ من صراعٍ لا نهاية له”.

وفي ذات السياق، قللت جيوفاني من الحلول المقترحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث اعتبرت أن السلام بين الطرفين “لا يمكن أن يأتي من شعارات مثل “دولتين” أو “دولة واحدة”. المهم هو الحقوق والأمان والمساواة أمام القانون”.

“كل تسوية جديدة تجعل خيار الدولتين أقل واقعية، ولن يكون للدولة الواحدة معنى إلا إذا ضمنت المساواة الكاملة وفككت نظام الفصل العنصري والتمييز”.

واستدركت بالقول: “نظريًا، لا يزال حل الدولتين ممكنًا، لكن كل تسوية جديدة تجعله أقل واقعية. كما لن يكون للدولة الواحدة معنى إلا إذا ضمنت المساواة الكاملة وفككت أنظمة الفصل العنصري والتمييز. وقبل كل شيء، يجب أن تكون هناك محاسبة على جرائم الحرب. فبدون العدالة والمساواة في الحقوق للجميع، لن يدوم أي حل سياسي. سواء كانت دولتان أو دولة واحدة”.

غزة ليست كأوكرانيا

من جانب آخر، أكدت جيوفاني أن “مشروع الحساب” الذي أسسته قبل عدة سنوات يهدف إلى “جمع الصحافيين والمحامين والمحققين لضمان عدم الاكتفاء بالإبلاغ عن جرائم الحرب، بل ملاحقتها عبر السبل القانونية. ففي أوكرانيا، ساهم عملنا بالفعل في التحقيقات الدولية، بما في ذلك الأدلة التي ساهمت في إصدار مذكرات اعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية. وقد أثبت ذلك لنا أن نموذجنا قابل للنجاح: الجمع بين سرد القصص والإعداد القانوني الدقيق”.

وأضافت: “فيما يتعلق بغزة، استغرق الأمر وقتًا أطول بكثير. فبينما حظي عملنا في أوكرانيا بدعم واسع، ابتعدت العديد من الحكومات والجهات المانحة عن تقديم أي شيء يتعلق بغزة. ومع ذلك، حافظنا على تصميمنا، ونحن الآن بصدد تطوير برنامج هناك”.

“بينما حظي عملنا في أوكرانيا بدعم واسع، ابتعدت العديد من الحكومات والجهات المانحة عن تقديم أي شيء يتعلق بغزة”.

وتابعت جيوفاني: “لا أريد قول الكثير الآن، وما يمكنني قوله هو أن التزامنا مطلق: ستكون هناك مساءلة، وسنقوم بدورنا في ضمان ذلك. لقد كنتُ مُصرّة على التحدث عن غزة بلا كلل، أكتب وأنشر وأُلقي المحاضرات من كل قلبي”.

وختمت بالقول: “منذ البداية، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كنتُ أعلم ما سيحدث، فبدأتُ فوراً بمحاولة بناء برنامج استجابةً لذلك. استغرق الأمر مني شهوراً طويلة لحشد المانحين، وما زلتُ لم أصل إلى نتيجة بعد. لكنني لن أستسلم أبداً. التزامي ثابت: يجب ألا تُنسى غزة، ويجب أن تكون هناك مساءلة”.

المصدر: القدس العربي

“أشجع مراسلة بالعالم” لـ”القدس العربي”: قضيتُ حياتي بتغطية حروبٍ وحشية لكن لا شيء يضاهي مأساة غزة

شارك المقالة