You are currently viewing أفراح “غزة” وأتراح “ماغا” ودرس “عبدول”

أفراح “غزة” وأتراح “ماغا” ودرس “عبدول”

بقلم: دكتور محيي الدين عميمور

كان أروع ما يمكن تسجيله تعليقا على الانتخابات الأمريكية فرحةَ “غزة” الشهيدة، التي رأينا أحد كهولها يوزع الحلوى على الأطفال احتفالا بانتصار شاب أعزل واجه أقوى رؤساء العالم، ولم يُخفِ دفاعه عن القطاع الجريح.
وهكذا كادت كلمة “عبدول”، التي أراد بها “الأحمق الأشهب” الإساءة لعبد الرحمن السيد، كادت تصبح كلمة جميلة “يتغزل” بها كثيرون احتفاء بأول طبيب عربي مسلم ينتخب في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولا يُستبعد أن يتقدم يوما ما لرئاسة الجمهورية، وهو “الزميل” الرائع الذي يعتز بمصريته ويتمسك بانتمائه العربي الإسلامي.
وهذا ما يمكن أن يفسر تشنج كثيرين مما حققته أرادة الشارع هناك، لأنه سابقة مخيفة في بلاد يتخذ فيها القرار “غيرُ” أصحاب الحق في القرار.

خلفية التشنج الرئيسية، خصوصا في مستويات قيادية عليا، هي ما أكدته الانتخابات هناك من أن الديموقراطية هي طريق النجاة للأمة التي تقف اليوم على حرف هاوية السقوط التاريخي، وأن وسائل الإعلام مهما كان تنمرها ومهما تضخمت وسائلها لا يمكن أن تتغلب على وعي الشعوب.
من هنا أرى أن المهم في الوقت الحالي بالنسبة لنا كمثقفين، وقبل هذا كمواطنين واعين، هو أن نحسن دراسة ما حدث في الانتخابات الأمريكية، التي أراها أعظم نتائج “طوفان الأقصى”، خصوصا وقد كان من بين نتائجها تدهور نفوذ “إيباك”، وتزايد تنافر الشعب الأمريكي مع الكيان الصهيوني لحساب التعاطف مع الشعب الفلسطيني، والسقوط النسبي لفزاعة الانتماء الإسلامي.
وأنا أعرف أن وضعية “غُثاء السيل” ومنطق الزمن الرديء حقيقة تفرض إرادتها على الجوّ العام في المنطقة العربية والإسلامية.
وبداية، أرجو أن نتفق على معنى “الديموقراطية”، (Demokratia) والتي كان العقيد معمر القذافي رحمه الله يردد، ما سمعته منه شخصيا، من أن معناها باللغة العربية هي: “…الشعب (Demo) فوق الكراسي (kratia)”، ولن أسترجع، قصورا، تاريخها منذ كليسثنيس (Cleisthenes) اليوناني، وصولا إلى “جان جاك روسو” (Jean-Jacques Rousseau) الفرنسي وعقده الاجتماعي.
بمنتهى البساطة، ومع احترام كل الأوصاف الأكاديمية والسياسية والاجتماعية للكلمة أجازف هنا باستنفار تعليقات ساخرة على العبد الضعيف الذي يتساءل عن معنى أهم البديهيات، وأكتفي بالقول أن الديموقراطية تعني، بكل بساطة يمكن أن يفهمها ويعمل بها ولها المواطن العادي، أن تكون هناك في بلادنا إمكانية أن نقول “لا” لصاحب القرار، سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا، وحتى أُسَرِيّا.
وهذا يعني أمرين أساسيين، أولهما ألا يُجسّد “صاحب القرار” نفوذا لا يمكن مراجعته أو قوة لا يمكن مساءلتها، وثانيهما أن يكون “حق القرار” ممارسة مرحلية محدودة زمنيا ومراقبة شعبيا وخاضعة للمحاسبة القضائية.
وأرجو أن يكون واضحا هنا أن هناك فرقا بين “وضع” المسؤولية وعملية “اتخاذ” القرار.
وأعتذر لأنني ألجأ أحيانا، لشرح ما أريد قوله، إلى استعراض بعض عناصر التجربة الجزائرية، سلبية أكانت أم إيجابية.
وهناك مثال قد يكون كافيا لشرح ما أقوله.
كانت وفاة الرئيس هواري بو مدين في ديسمبر 1978 صدمة هائلة تلقتها الجزائر بمزيج من التسليم بقضاء الله والخشوع لمشيئته وبكن بالقلق من احتمالات المستقبل، في مرحلة عرف فيها الوطن العربي الانزلاق نحو “كامب دافيد”، وتحوّلَ قيادة المجتمع من توجه “المقاتلين” إلى ممارسة “المقاولين”، بتعبير الإعلامي الراحل محمد حسنين هيكل، وبدا واضحا تزايدَ سيطرة المال الطفيلي على مقاليد الأمور، وبروز دور مريب يقوم به “مهماز” صهيوني الانتماء يحاول ترتيب الأوضاع في المنطقة لصالح الكيان الصهيوني.
والمهم، تم انتخاب الرئيس الشاذلي بن جديد بصفته، طبقا للدستور، مرشح حزب جبهة التحرير الوطني، بعد أن رفض رئيس المجلس الوطني الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، برغم أنه زعيم تاريخي من رواد الثورة الجزائرية، وكان سبب رفض “رابح بيطاط” هو التزامه بالدستور الذي تم اعتماده في عهد الرئيس الراحل، وقال لي يومها ما معناه: “دخلت التاريخ في أول نوفمبر، ولن أتناقض مع نفسي”.
وكان مما فرض على الشاذلي بن جديد تحمل الأمانة فشل “التكامل”، الذي يضمن الوحدة الوطنية في الظروف القلقة للمنطقة، بين أقرب الشخصيات السياسية، تاريخيا ومقدرة وكفاءة، لتحمل المسؤولية، وهما وزير الخارجية عبد العزيز بو تفليقة ومنسق حزب جبهة التحرير الوطني محمد الصالح يحباوي.
وهكذا أُنتحب الشاذلي لمواصلة المسيرة في ظل شعار “التغيير في إطار الاستمرارية”.
ويُشرفني الرئيس بتكليفي بمواصلة عملي إلى جانبه في نفس موقعي السابق، ثم يتم تعييني عضوا في اللجنة الوطنية لتعديل الدستور، التي نُصّبت لتدارك عناصر نقصٍ في الممارسة الديموقراطية لوحظت خلال فترة اختفاء بومدين القيادي ووفاته نتيجة لما أصابه ( وأنا أزن كلماتي).
ويقول لي الشاذلي إثر انتخابه مباشرة في فبراير 1979:
تحملُ المسؤولية العليا للدولة طوال عشرة سنوات هو عِبء قاتل لأي بشر، عليكم في اللجنة أن تضعوا بندا يجعل المهمة الرئاسية مقصورة على عهدتين (وكانت مدة العهدة الرئاسية خمس سنوات).
وتقدمتُ بالاقتراح للجنة، التي كان يرأسها رجل القانون عبد الملك بن حبيلص، وكما يفرض الالتزام بأسلوب العمل في قمة الدولة، لم أقل أن ذلك كان بتوجيه من الرئيس.
وقامت قيامة بعض الأعضاء، وقال أحدهم إن هذا اعتداءٌ على حرية الشعب الذي يملك حق اختيار الرئيس مائة مرة لو أراد، وصمتت أغلبية الأعضاء، كلّ لسبب ارتآه، وربما كان لدى البعض حساسية من مقدم الاقتراح.
وذهب اثنان من الكبار للرئيس، كما روى لي العقيد “طاهر زبيري”، وطلبا منه عدم التجاوب مع الاقتراح “المُعوجّ” الذي قدمه “فلان”، وفوجئا بقول الرئيس: أنا من طلبت منه ذلك.
لكن اللجنة كانت قد تسرعت فلم تعتمد الاقتراح، وظل الأمر كذلك إلى أن فرضه الرئيس “اليمين زروال” في تعديل 1996، وكان المؤسف هو تراجع الرئيس “عبد العزيز بو تفليقة” عنه بالتعديل الذي أجراه في 2008، وذلك بضغوط كثيرة استعملت نفس منطق بعض الرفاق في 1979، وسقط بند الاكتفاء بعهدتين إلى أن استرجعه الرئيس “عبد المجيد تبون” في التعديل الأخير، بعد أن أنهى الحراك الشعبي في 2011 وضعية عرفت فيها الجزائر عهدة رئاسية ثالثة ورابعة وكادت تعرف خامسة، لكنها عرفت أيضا، للأمانة، إنجازات في مختلف الميادين، لم يكن أقلها التخلص النهائي من كل الديون الأجنبية.
غير أن الحياة السياسية تصحرت تماما، وكانت كارثة ضاعف من آثارها مرض الرئيس، حيث تحكمت بالقرار بطانة غير دستورية لا يمكن محاسبتها، ويُشار لها في الجزائر باسم “العصابة”، وحلّ الولاء محل الكفاءة، وحُمّل بو تفليقة كل الآثام والأوزار، فكل شيئ كان يتمّ باسمه.
وهكذا ثبت بالفعل أن طريق الفساد السياسي هو طول مدة حكم الرئيس، خصوصا عندما تتراخي سلطته ببصمات السنين أو بملل الروتين أو برفاهية السلطة والخدر بأناشيد الولاء وسماع الأنشودة التي يطرب لها كل مسؤول سامٍ، والتي تردد….”لمن تتركنا يا زعيم الأمة ومن يستكمل إنجازاتك الكبرى”، تتغرغر بها البطانة التي تصبح شيئا فشيئا هي صاحبة القرار، وتتمسك به عبر الترويج لاستمرارية حكم الرئيس حتى الموت، وتتخلص من كل من يمكن أن يمس بسيطرتها على مجريات الأمور.
هنا يأتي مثال الانتخابات الأمريكية التي أزعجت نتائجها قصورا كثيرة بين المحيط والمحيط، حيث أن الشارع هناك، وبفضل الديموقراطية، تمكن من هزيمة أقوى رجال المعمورة، وجعل تولّي رجل مسلم من أصول عالم- ثالثية رئاسة الدولة الأمريكية يوما ما أمرا ليس بعيد الاحتمال.
وهذا درس جدّي لمن يتحكم في تصرفاتهم، بشكل غبيّ وأبله وشرس، هاجس “الإسلاموفوبيا”، فيهاجمون “السناتور” عبد الرحمن، لأنه مسلم ناجح، يهدم محاولتهم شيطنة الإسلام والمسلمين بكل وسيله، ولصالح إسلام مبتدع تقف وراءه مصالح “اليانكي” وأصابع “الموساد”، ويتمسح في “إبراهيم” عليه السلام.
وهي بطاقة حمراء، بالتعبير الرياضي، ترفع في وجه مثقف السلاطين، الذين يخشون مقارنات ومقاربات جماهيرية بين ما عاشته أمريكا مؤخرا وما تعرفه بلدانهم، لن تكون في صالح الحاكم المزمن، فيتكرر مثال “البو عزيزي” التونسي، وربما بشكل أكثر عنفا.
وهنا نفهم لماذا يُرددُ البعض أن الديموقراطية هي “رجس من عمل الشيطان”.
لكن، ما زال الحديث عنها ذا شجون.
ملحوظة: “ماغا” (MAGA) هي اختصار للشعار الشهير: “لنجعل أميركا عظيمة مجددا (Make America Great Again )وهي الحركة السياسية والشعبية والأيديولوجية المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، والذي استُخدم لأول مرة في السياسة الأمريكية بواسطة رونالد ريغان في حملته الانتخابية.

كاتب ووزير اعلام جزائري سابق

رأي اليومToday’s Opinionأفراح “غزة” وأتراح “ماغا” ودرس “عبدول”

شارك المقالة