عبد الباري عطوان
لم يفاجئنا التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم امس وطالب فيه المملكة العربية السعودية بقبول العرض الإسرائيلي بالاستعانة حاليا بالمعركة مع “انصار الله” الحوثية في اليمن، والانخراط في منظومة “سلام ابراهام” التطبيعية مع دولة الاحتلال، فالفتنة المسمومة بعد أربع سنوات من صمود وقف اطلاق النار بين السعودية وحركة “انصار الله” الحوثية جاء بتحريض اسرائيلي مدروس بعناية عبر الرئيس ترامب، لتوريط المملكة في هذه الحرب مع الحوثيين التي حاربتهم ثماني سنوات، وأدركت سابقا ان الطريق الوحيد لوقف حرب الاستنزاف هذه الجلوس على مائدة المفاوضات، والتعايش مع الجار اليمني الجنوبي، والتوصل الى هدنة يتلوها المزيد من المفاوضات للوصول الى سلام شامل، فالحل العسكري شبه مستحيل، مهما تعاظمت الترسانة التسليحية السعودية، او التدخلات الخارجية، إسرائيلية كانت او أمريكية او حتى عربية.
من المؤسف والمريب في الوقت نفسه ان ترامب نصّب نفسه متحدثا باسم المملكة العربية السعودية، ليس فقط لانه طالبها بالقبول بالتدخل الإسرائيلي العسكري في هذه الحرب “العربية والإسلامية”، ووصل به الامر الى “الجزم” بأن القيادة السعودية ستقبل العرض الإسرائيلي.
***
والأخطر من ذلك تصاعد التسريبات “المتعمدة” والمضللة في الاعلام الإسرائيلي وأبرزها اليوم في صحيفة “الجيروزاليم بوست” اليمينية المتطرفة، التي تتحدث عن تعاون استخباري سعودي إسرائيلي “غير مباشر” في الحرب مع اليمن، عبر القيادة المركزية الامريكية العليا “سنتكوم”، في إطار الضغوط الاسرائيلية الامريكية المشتركة على القيادة السعودية لدفعها بإتجاه الارتماء في أحضان العدو الإسرائيلي استغلالا لحاجتها للدعم العسكري، بعد نجاح القيادة العسكرية اليمنية الحوثية في قصف معظم المطارات المدنية السعودية، خاصة في العاصمة الرياض، ومدينة الدمام العاصمة النفطية في منطقة الخليج حيث عصب صناعة النفط ومقر شركة “أرامكو” المسؤولة عن إدارة هذه الصناعة.
واللافت أن ترامب الذي يدعي كاذباً الحرص على السعودية وأمنها، رفض طلباً سعودياً جاءه من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد بالتدخل عسكرياً إلى جانب المملكة في حربها اليمنية الحوثية، التزاماً بمعاهدة الدفاع المشترك بين البلدين، أي أمريكا والسعودية، وقبض الدفعة المالية الأكبر ثمناً لتفعيلها ومقدارها تريليون و300 مليون دولار أثناء زيارته للمملكة كمحطة أولى بعد توليه السلطة.
ترامب لا يريد تلبية مطالب ولي العهد السعودي في التدخل في هذه الحرب لسببين:
الأول: تلقيه هزيمة كبرى على أيدي الحوثيين عندما قرر التدخل عسكريا لوقف هجماتهم الساحقة التي تمثلت في قصف حاملات الطائرات الامريكية، وإعطاب بعضها في البحر الأحمر وبحر العرب.
الثاني: استخدام هذا الرفض للتدخل الأمريكي الى جانب القيادة والجيش السعودي في هذه الحرب كورقة ضغط لإجبار القيادة السعودية للجوء الى العرض الإسرائيلي بالتدخل ومن ثم التطبيع.
أفضل هدية يقدمها الرئيس ترامب لحركة “انصار الله” الحوثية اليمنية هو نجاح ضغوطه على القيادة السعودية للتراجع عن رفضها والقبول بالعرض الإسرائيلي للتدخل في الحرب الى جانبها، لان القيادة السعودية ستفقد شرعيتها في أوساط قاعدتها الشعبية، والعالم الإسلامي، اذا وضعنا في الاعتبار ان اكثر من 95 بالمئة من الشعب السعودي ضد التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ويؤيد موقف قيادته في رفض أي تدخل إسرائيلي عسكري الى جانبها في الحرب السعودية اليمنية، والوقوف في خندق المقاومة الفلسطينية لاستعادة جميع الحقوق الفلسطينية العادلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
نستغرب هذا “التضخيم” الكاذب لإمكانيات دولة الاحتلال الإسرائيلي العسكرية في المنطقة، وينسى الأمريكان، وبعض الدول العربية الأخرى، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تلقت هزيمة ضخمة على أيدي حركة “أنصار الله” اليمنية تمثلت في قصفها للعمق الإسرائيلي لأكثر من عام ونصف العام تضامناً مع الشعب الفلسطيني وصموده ضد حرب الإبادة في قطاع غزة، وكانت صنعاء هي العاصمة العربية الوحيدة التي وقفت إلى جانب المجاهدين في قطاع غزة والضفة الغربية، فالصواريخ اليمنية الحوثية الفرط صوتية والإنشطارية الرؤوس والمسيّرات، ضربت يافا وحيفا ووصلت إلى غرفة المسافرين في مطار اللد، وحولت مدينة إيلات وميناءها في فم البحر الأحمر إلى خراب وأخرجتها عن العمل، فإذا كان الجيش الإسرائيلي لم يستطع حماية مطار كيانه، فهل يستطيع حماية مطارات الرياض والدمام وأبها وخميس مشيط وجيزان ونجران؟
***
الطريق الوحيد لوقف هذه الحرب، وحقن دماء السعوديين واليمنيين الطاهرة هو بالعودة إلى مائدة المفاوضات مجدداً، فهذه حرب “عربية عربية” ويجب أن تُحل بالتفاهم والحوار، فإذا كانت أمريكا لجأت إلى هذا الخيار وتفاوضت مع الحوثيين للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار تقليصاً للخسائر، وحمايةً لسفنها الحربية وحاملات طائراتها، فلماذا لا تفعل القيادة السعودية الشيء نفسه وفي أسرع وقت ممكن؟
مرة أخرى نقول إنه من العار أن يلتزم الوسطاء العرب الصمت، ويديروا ظهرهم لهذه الحرب، والدولة الوحيدة التي عرضت وساطتها لحقن دماء الأشقاء السعوديين واليمنيين هي إيران في شخص السيد عباس عراقجي وزير خارجيتها، وعُقد اللقاء في سلطنة عُمان.
الموقف السعودي الرافض للعرض الإسرائيلي بالتدخل في الحرب موقف صائب وحكيم يجب أن يستمر ويتصلب، والعودة إلى مائدة المفاوضات مع الأشقاء في اليمن لا يعيبها أو يقلل من مكانتها، فالحوار هو الخيار الوحيد لوقف هذه الحرب، وحقن الدماء، وإغلاق الأبواب في وجه المنافقين والانتهازيين.. والأيام بيننا.
رأي اليوم