عبد الباري عطوان
لا نستغرب تسابق كل من المسؤولين في تركيا و”سورية الجديدة” على نفي التقرير الصحافي الذي نشرته وكالة انباء “رويترز” العالمية نقلا عن ستة مصادر حول عقد لقاءات بين “الدولة السورية” وممثلين عن “حزب الله” في تركيا، ومن المفارقة ان الطرف الذي يجب ان يسارع بالنفي هو “حزب الله” وليس الحليفين التركي والسوري، لان هذين الحليفين هما اللذان بحاجة ماسة الى هذا اللقاء في ظل تصاعد التوغلات الإسرائيلية العسكرية في جنوب سورية أولا، وإدارة معظم الدول العربية والعالمية لظهرها لسلطة دمشق، ووقف المساعدات المالية لها، مما ادى الى حالة الانهيار الاقتصادي الحالية، وارتفاع معدلات غلاء المعيشة.
***
اللافت ان “حزب الله” الطرف القوي في هذه المعادلة، وربما المتضرر الأكبر فيها، التزم الصمت، ولم يعلق مطلقا على انباء اللقاء في تركيا مع الحكومة السورية الجديدة الغارقة في ازماتها، وفشلت جميع لقاءتها وتنازلاتها الأمنية للاحتلال الإسرائيلي في توقف توغلاته الاستفزازية في الجنوب السوري المحتل، وكان من أبرز فصولها قيام بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير حربه يسرائيل كاتس بالتقاط الصور اثناء زيارتهما لقمة جبل الشيخ المحتل حديثا، أي بعد اسقاط النظام السوري السابق، واطلاق تصريحات تؤكد تهويد هذا الجبل المطلة سفوحه على جنوب لبنان، و”إسرائيلية” هضبة الجولان المحتلة، وقول نتنياهو للسيد احمد الشرع الرئيس السوري المؤقت، ان اليهود موجودون في هضبة الجولان قبل العرب والمسلمين بآلاف السنين في رد وقح على مطالبته بعودة الهضبة الى سورية.
الأيام والاسابيع الأخيرة كشفت عن تغول إسرائيلي في سورية من ناحية، وفتور امريكي في دعم نظامها ورفع الحماية عنه بانسحاب جميع القوات الامريكية، وتفكيك القواعد في سورية والعراق وكردستان العراق، من ناحية ثانية، وغسل يد جميع الداعمين العرب أيديهم من تطورات الأوضاع في سورية، ووقف جميع مساعداتهم المالية، من ناحية ثالثة، وقرأنا كيف ناشد الإعلامي موسى العمر أحد مستشاري الرئيس الشرع الدول الخليجية بدفع 20 مليار دولار فورا لإنقاذ سورية من الازمة المالية الطاحنة التي تهدد بانهيارها.
لا نستبعد اقدام قيادة “سورية الجديدة” على عقد هذا اللقاء مع ممثلي “حزب الله” في تركيا انطلاقا من حالة اليأس والأزمات المالية السياسية، لإيصال رسالة تهديد يائسة الى أمريكا والدول العربية بأنه اذا لم يستمروا في دعم سورية ماليا وعسكريا ودبلوماسيا، فإنها ستعود الى محور المقاومة، وتدخل في تحالف مع “حزب الله” وترفع الحظر عن تهريب الصواريخ والمعدات الأخرى العسكرية الإيرانية اليه دون عوائق، مثلما كان عليه الحال في السابق قبل الإطاحة بالنظام السوري السابق العمود الفقري لمحور المقاومة.
تطور آخر لا نستطيع تجاهله ويقف بقوة خلف احتمال فتح “سورية الجديدة” ورئيسها المؤقت قنوات مع “حزب الله” وهو تصاعد المقاومة الإسلامية الوطنية السورية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب سورية وحوض اليرموك، ودعم “حزب الله” لهذه المقاومة بالرجال والسلاح والخبرات القتالية، وتزايد التنسيق العملياتي بين الجانبين.
***
الأمر المؤكد ان صمت “حزب الله” لن يطول، وسيقول كلمته في هذا الميدان، نفيا او تأكيدا، وسيكون كاسبا في الحالتين، والتفسير الأقوى لهذا الصمت يعود الى انشغال الحزب في قضايا اكثر أهمية، وتحلي قيادته بالحكمة والتعقل، وعدم الانجرار بالتالي الى مهاترات جانبية مع طرف انفض حلفاؤه عنه تقريبا، عربا وغربيون، وتتصاعد التفجيرات الداخلية في عدد من مدنه، وخاصة حمص وحلب وحماه من قبل فصائل عسكرية معارضة، سواء كانت سورية احتجاجا على تفاقم الهوية الطائفية للنظام الجديد، او تنتمي الى جماعات “ارهابية” متطرفة معادية تسعى للثأر لتهميشها وزعزعة الاستقرار والامن، مثل الدولة الإسلامية (داعش).
“سورية الجديدة” تواجه حالة من الخذلان من قبل اللذين استخدموها وقيادتها كأداة لتحقيق هدفهم الأكبر وهو اسقاط النظام السوري السابق، والآن بعد ان تحقق هذا الهدف، اداروا لها ظهورهم وتركوها تواجه قدرها، وتقلع شوكها بأيديها، اذا كان لها أيدي واظافر.. والأيام بيننا.
رأي اليوم