بقلم : أنطوان شلحت
تعتبر التقديرات السائدة، سواء من المسؤولين السياسيين والأمنيين الإسرائيليين أو من أبرز المحللين وباحثي مراكز الأبحاث، أن آخر التطورات في اليمن هي أخبار سيئة بالنسبة إلى إسرائيل للأسباب التالية: أولاً، تثبت سيطرة الحوثيين على نقاط رئيسية في مضيق باب المندب أن ما يُوصف بـ”المحور الشيعي”، بقيادة إيران، لا يزال قوياً، نظراً إلى أن الأخيرة تقف وراء التحرّك الحوثي، وتملك الآن ورقتي ضغط وتأثير في الاقتصاد العالمي هما مضيقا هرمز وباب المندب.
ثانياً، لسنواتٍ كان يُنظر إلى الحوثيين أساساً باعتبارهم قوة محليّة تدعمها إيران، وتسيطر على أجزاء واسعة من اليمن، وتهدّد السعودية ودول الخليج، لكن الواقع تغيّر، فقد طوّر الحوثيون قدرات عسكرية، وخبرة عملياتية، وعلاقات إقليمية، والأهم أنهم تحوّلوا إلى عامل قادر على التأثير في طرق الملاحة الدولية، وهم لا يحتاجون إلى السيطرة على اليمن كله كي يصبحوا لاعباً إقليمياً مهماً، فتكفيهم السيطرة على نقاط إستراتيجية قريبة من باب المندب، والقدرة على تهديد حركة الملاحة.
ثالثاً، افتتحت أسعار النفط أسبوع التداول بارتفاعات، تقف خلفها ثلاث بؤر مخاطر تؤثر في بعضها البعض: حركة الملاحة بمضيق هرمز التي ما زالت محدودة، وخط الأنابيب شرق – غرب السعودي، الذي يتيح تجاوز المضيق ولا يزال متوقفاً إثر هجوم بطائرات مسيّرة. وفي الطرف الآخر، في البحر الأحمر، عزّز الحوثيون وجودهم بمنطقة باب المندب وجزيرة ميون.
رابعاً، تستفيد إيران من هذا الوضع الجديد من دون الدخول في حرب، فهي ليست مضطرة إلى إرسال قواتها الخاصة إلى اليمن لكي تؤثر في المعركة. ويكفي أن توفر للحوثيين المعرفة، ووسائل القتال، والمعلومات الاستخباراتية، والدعم السياسي، فيما يمارس الحوثيون الضغط على الأرض وفي البحر. وهكذا تستطيع إيران أن تفتح جبهة إضافية في مواجهة خصومها من دون أن تتحمل بنفسها كلفة المعركة كاملة.
خامساً، لا يتعلق الأمر فقط بسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب الإستراتيجي، وما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على التجارة البحرية العالمية وعلى تعزيز مكانة إيران الإقليمية، بل يتعلق أساساً بالموقف الأميركي الراهن، الذي وصفه أحد كبار المحللين العسكريين بأنه “يتردّد في الدخول في مواجهة، ويترك في الواقع حلفاءه وحدهم”.
ويستند المحلل في تقييمه إلى أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن “الحوثيين لا يريدون القتال معنا”، والتي اعتبرها المحلل نفسه “تراجعات مدوّية ومقلقة” عن موقف الشرطي العالمي الذي حاول ترامب تسويقه في النصف الأول من ولايته الثانية. وبرأيه، من المعقول أنه لا يرغب في فتح جبهة عسكرية أخرى عشية انتخابات التجديد النصفي، في ظل تقارير عن مشاكل في المعدّات لدى الجيش الأميركي، وعن نقص في وسائل القتال.
كما أعاد إلى الأذهان أن ترامب أعلن، العام الماضي، الحرب على الحوثيين، وانسحب منها خلال أسابيع قليلة، تاركاً إسرائيل وحدها في المعركة. والآن يترك وراءه السعودية، التي تجد نفسها عالقة في حركة كماشة: إيران من جهة والحوثيون من جهة أخرى، في حين أن قدراتها القتالية، بخاصة الدفاعية، محدودة للغاية. وتزداد المخاوف في إسرائيل من أن تختار السعودية طريق التقارب مع إيران، أو على الأقل “تشديد تحالفاتها مع دول أخرى في المنطقة، من تركيا وباكستان وصولاً إلى قطر”.
في الإجمال العام، ثمة تقدير بأنه على الرغم من أثمان تطورات اليمن لا ينبغي أن تتدخّل إسرائيل في هذه المرحلة في ما يحدث في هذا البلد. ويشير بعضهم إلى أن إسرائيل في العام الماضي كانت قد قضت على عدة قادة سياسيين وعسكريين في حكومة الحوثيين، إلا أنه يتضح الآن أنها لم تقيّم بصورة صحيحة ميزان القوى الداخلي في اليمن، ولا قوتهم الحقيقية، وفي الوقت عينه عليها أن تستعد لاحتمال استئناف المعركة ضدهم، سواء بمبادرتها أو بانجرارها إليها عقب تحرّك من الحوثيين.
عرب48