تُشكل تصريحات الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب حول رغبته في تغيير اسم (مضيق هرمز) إلى (مضيق ترامب)، عقب الضربات التي استهدفت مواقع للحرس الثوريّ وجزيرة لارك، تجسيدًا صارخًا لنهج الاستعراض الإعلاميّ الذي يُغلف العجز الاستراتيجيّ، حيث يُبرز رد السيناتور بيرني ساندرز عمق المأزق الداخليّ الأمريكيّ وتأثير مغامرات واشنطن البحريّة على جيوب المواطنين وأسعار الوقود، كما نشر مساء الأحد صورة للقمر كتب عليها ” القمر لنا ” إلى جانب العلم الأمريكي!!
وجاءت ردة فعل بيرني ساندرز القاسية (“أنتَ رئيس ولست ملكًا مجنونًا”) لتضع نقطةً على حرف الانفصال عن الواقع لدى البيت الأبيض، فالإدارة الأمريكيّة تتصرف وكأنّها تملك المعابر المائيّة الدوليّة بالاستحواذ الفرديّ، ناسيةً أنّ القوانين الدوليّة والسيادة الإقليميّة لا تُصنَع بالتغريدات والمسميات الشخصيّة.
وأوضح ساندرز أنّ الناخب الأمريكيّ لا يعنيه هوس ترامب بتخليد اسمه على الخرائط، بل يعنيه ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد معدلات التضخم الناتجة عن تعطل حركة الملاحة واحتدام المواجهة في خزان الطاقة العالمي.
كما أنّ اليمن قد يتحوّل من أداة ضغطٍ إيرانيّةٍ إلى جبهةٍ ذات منطقها الخاص، والتي ستستمر في احتلال الأجندة الإقليميّة وتُعقِّد أيّ محاولةٍ لتحقيق الاستقرار في النظام بأكمله، على ما نقلته صحيفة (هآرتس) العبريّة عن محافل أمريكيّةٍ رفيعةٍ.
وفي الوقت الذي يدعي فيه ترامب إحكام السيطرة على المضيق، تؤكِّد الحقائق الميدانيّة أنّ إيران تفرض سلطة المراقبة والتحكم بالمرور، مغلقةً الطريق أمام السفن والناقلات التي لا تلتزم بتعليماتها الأمنيّة، ومستخدمةً جغرافية الجزيرة وسلاح السواحل كخط ردعٍ مباشرٍ.
وأثبتت الضربات التي استهدفت جزيرة لارك ومقرات الحرس الثوريّ أنّ الممرات الحيويّة لا تُحسَمْ بالاقتحام الخاطف، فالسيطرة على ممرٍ بعرض كيلو متراتٍ معدودةٍ تسيطر عليه الشواطئ والمسيّرات الإيرانية أمر شبه مستحيلٍ دون الدخول في حربٍ شاملةٍ تعجز واشنطن عن تحمل كلفتها.
ومن نوافل القول إنّ مضيق هرمز يمثل شريان الحياة لنحو ثلث النفط المنقول بحرًا عالميًا، وبالتالي فإنّ أيّ محاولةٍ لتغيير قواعد اللعبة بالقوة تُترجم فورًا إلى صدمةٍ نفطيّةٍ تتعدى الشواطئ الإقليميّة لتصل إلى محطات البنزين في كاليفورنيا ونيويورك.
ويُثبت هذا السجال أنّ العصر الذي كانت تَطبع فيه واشنطن أسماءها على المعابر الاستراتيجيّة قد انتهى، وأنّ الشعوب والدول المطلة على أراضيها ومياهها الإقليميّة هي مَنْ يملك الكلمة الأخيرة في إدارة أمنها وسيادتها الوطنية.
وتظلّ تسمية (مضيق ترامب) مجرد فقاعةً استعراضيّةً تُغطي على التراجع الإستراتيجيّ الأمريكيّ أمام الردع الإيرانيّ. فالسيطرة الحقيقيّة لا تُقاس بالخطابات الرئاسيّة والمشاحنات السياسيّة داخل الكابيتول، بل بمرور الناقلات وبسط السيادة الميدانيّة على المياه الإقليميّة.
في السياق عينه، رأى المستشرق الإسرائيليّ، د. تسفي بارئيل، في مقالٍ نشره بصحيفة (هآرتس) العبريّة، أنّه “إلى جانب الأضرار المباشرة والخسائر في الأرواح، فإنّ حملة (أنصار الله) في مدينة (المخا)، لها تداعياتٍ استراتيجيّةٍ خطيرةٍ تُنذر بتجديد الحرب الشاملة في اليمن، وإشعال فتيل الصراع على جبهة البحر الأحمر، ونقل الصراع العسكريّ من مضيق هرمز إلى ساحةٍ جديدةٍ”.
وأردف: “نجح (أنصار الله) بالفعل في إلحاق ضررٍ بالغٍ بصادرات النفط السعوديّة عندما فرضوا حصارًا بحريًا خانقًا على حركة الملاحة البحريّة السعوديّة في البحر الأحمر في تموز (يوليو). وكان من المفترض أنْ يخدم هذا الطريق السعودية كطريقٍ بديلٍ إلى مضيق هرمز عبر خط أنابيب النفط الذي يربط بقيق شرق البلاد بميناء ينبع غربًا. وقد أصبح خط الأنابيب، الذي لم يُستخدم إلّا جزئيًا قبل الحرب، القناة الرئيسيّة التي كان يمر عبرها، حتى وقتٍ قريبٍ، نحو أربعة ملايين ونصف المليون برميل من النفط يوميًا (مقارنة بأقل من مليون برميل قبل الحرب)”.
ولفت إلى أنّه “كما هو الحال في مضيق هرمز، حيث لا يحتاج الإيرانيون إلى احتلال أراضٍ أو السيطرة الفعليّة على الممر المائيّ لوقف الملاحة، كذلك هو الحال في البحر الأحمر. يكفي عدد قليل من الطائرات المسيّرة أو الصواريخ لشركات التأمين لرفض تأمين السفن العابرة لهذا الطريق حتى لو لم تكن تنوي الوصول إلى السعوديّة”.
وأكّد “يبدو أنّ طموحات (أنصار الله) تتجاوز ذلك. فطبيعة القتال الذي يقومون بشنّه في محافظة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة، وسيطرتهم الجديدة على العديد من المعابر البريّة والبلدات في المحافظة، تثير مخاوف من نيتهم توسيع نطاق سيطرتهم البريّة في البلاد والتوغل جنوب اليمن”.
واختتم “في الوقت الراهن، يبدو احتمال زج الولايات المتحدة في حربٍ جديدةٍ ضدّ (أنصار الله) غير واقعي. فبالنسبة لترامب، الذي وقّع اتفاقية وقف إطلاق النار مع (أنصار الله) في أيار (مايو) 2025، لم يعد البحر الأحمر يمثل مشكلةً بالنسبة له، وربّما يفقد مضيق هرمز اهتمامه أيضًا، فقبل يومين، صرّح قائلاً: (لم يعد مضيق هرمز كما كان، إذ بدأت تظهر بدائل عديدة)”.
رأي اليوم