كيف يعيد الوعي الشعبي والتمثيل الإسلامي رسم خريطة السياسة الأمريكية؟
لم تعد أروقة السياسة الأمريكية محكومة بذات القواعد التي فرضتها مؤسسات الحزبين التقليدية أو جماعات الضغط الكبرى، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، وذلك لعقود خلت. فخلف الكواليس، وفي عمق الدوائر الانتخابية الممتدة من ديترويت إلى كاليفورنيا، تتشكل ملامح زلزال سياسي صامت تمثل في صعود تيار سياسي اقتحم الحياة السياسية الأمريكية، يحمل في أجزاء منه ملامح عربية وإسلامية، ليس في أصول المرشحين الذين ينحدرون من أصول عربية وإسلامية فحسب، بل حتى في تبني القضايا الإسلامية كقضية فلسطين، ووجهة النظر في قضية الحرب الأمريكية الإيرانية، والدعم الأمريكي لإسرائيل.
على مدار أجيال، كان ينظر إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) باعتبارها صانعة الملوك في واشنطن، والعدو الأول لأي رأي مخالف لمبادئها، خاصة إذا كانت توجهاته ضد مشروعاتها
خريطة الأرقام: اختراق من القواعد إلى القمة
تكشف أحدث البيانات الصادرة عن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) وذراعه السياسي (كير أكشن) عن تحول نوعي في مشاركة الجالية الإسلامية في الانتخابات الأمريكية. فلم يعد حضورهم مجرد حضور رمزي، بل تجذر مؤسسي واسع عبر توثيق 255 مسؤولا مسلما منتخبا يتوزعون على 26 ولاية أمريكية.
اللافت في هذا التوزيع هو تمدده في البنية التحتية للحكم وصناعة القرار. فعلى المستوى التشريعي والاتحادي، هناك 4 أعضاء في مجلس النواب الأمريكي، يساندهم 46 عضوا في المجالس التشريعية ومجالس شيوخ الولايات.
وفي إدارة الحكم المحلي ومفاصل المجتمع، هناك 98 مسؤولا في المجالس المحلية والبلدية، و11 عمدة مدينة، إضافة إلى 63 مقعدا منتخبا في مجالس التعليم، و18 قاضيا منتخبا في المحاكم.
واللافت أن القيادة النسائية لها نصيب الأسد في هذه المناصب، حيث تشكل النساء نحو 43.1% من إجمالي هؤلاء المسؤولين، بعدد بلغ 110 نساء منتخبات، ما يكسر القوالب النمطية ويثبت قدرة القيادات النسائية المسلمة على حصد ثقة القواعد الشعبية بمختلف خلفياتها. وهذا يبطل السردية الأمريكية التي تروج أن المرأة المسلمة مهمشة، وليس لها دور في الفكر والعمل الإسلامي، وأنها مضطهدة.
هذا التجذر القاعدي يفسر كيف تحولت فئات كانت تصنف سابقا كأقليات منعزلة أو مترددة في خوض المعترك العام إلى كتلة تصويتية وتنظيمية تفرض أجندتها على خريطة القرار في قضايا التعليم والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية، بل وتصل إلى مراكز القرار السياسي.
تفكيك السطوة: حين تحول دعم «إيباك» إلى عبء انتخابي
فعلى مدار أجيال، كان ينظر إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) باعتبارها صانعة الملوك في واشنطن، والعدو الأول لأي رأي مخالف لمبادئها، خاصة إذا كانت توجهاته ضد مشروعاتها؛ إذ كان توجيه أي انتقاد علني لسياسات الدعم غير المشروط أو للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط بمثابة انتحار سياسي كفيل بإنهاء المسيرة العامة لأي مشرع أو نائب يتبنى هذا المشروع.
اليوم، تظهر معطيات الميدان تصدعا في هذا النفوذ. فرغم ضخ عشرات الملايين من الدولارات في الإعلانات والحملات المضادة، نجحت وجوه شابة وتقدمية في هزيمة مرشحين تقليديين مدعومين مباشرة من جماعات الضغط، ويعتبرون من أعمدة الأحزاب السياسية.
المفارقة الأبرز في المشهد الراهن لم تعد تقتصر على قدرة المرشحين التقدميين على تحدي هذه اللوبيات، بل امتدت لتصل إلى لجوء بعض المرشحين التقليديين إلى تفادي إعلان تلقيهم أموال الدعم أو التبرعات من «إيباك»، بعدما باتت هذه الأموال تثير شكوك القواعد الشعبية والناخبين المستقلين الذين ينظرون إليها كرمز لتوجيه القرار الأمريكي لصالح أجندات خارجية لا تخدم الناخب المحلي.
ارتفعت حملات العداء عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد الجالية الإسلامية من 150 منشورا خلال شهر واحد إلى 3000 منشور، وطبعا كلها موجهة ومبرمجة لوقف هذا التيار المندفع
مرحلة المخاض السياسي بين التقدم الفكري وحملات الإسلاموفوبيا
ولكي نعرف حجم هذا التيار التقدمي الذي يتبنى القضايا السياسية الإسلامية والإنسانية، يكفي أن نرى حملات العداء والكراهية للإسلام، التي تعتبر ردة فعل لهذا التفوق، سواء من خلال إطلاق مسيرات مناهضة، وآخرها مسيرة في مدينة ديربورن حملت شعار «وقف أسلمة أمريكا»، ناهيك عن التصريحات اليمينية من قبل السياسيين والتيارات.
وكان أهمها تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، خاصة بعد فوز عبدالرحمن السيد في الترشيح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ، حيث قال عن السيد إنه «يساري متطرف»، ثم قال إنه «شيوعي»، وأكمل قائمة الاتهامات بأنه «جهادي وإخواني ويكره إسرائيل»، ولم يكتف بذلك، بل شكك بنزاهة الانتخابات.
وبشكل عام، ارتفعت حملات العداء عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد الجالية الإسلامية من 150 منشورا خلال شهر واحد إلى 3000 منشور، وطبعا كلها موجهة ومبرمجة لوقف هذا التيار المندفع. ومع قوة الحملة، أو ما يسمى بالإسلاموفوبيا، فإنه خلال هذه الفترة فازت المرشحة عائشة وهاب ذات الأصول الأفغانية، والتي دعمت «إيباك» منافستها بقوة، وذلك بسبب مواقفها من نصرة غزة والقضية الفلسطينية.
الاقتصاد يساهم في دعم التيار: ربط فاتورة الخارج بأزمات الداخل
في ظل التضخم، وغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية، فضلا عن التوترات التجارية والرسوم الجمركية المتبادلة التي تضغط على سلاسل الإمداد، طرحت التيارات الصاعدة تساؤلا مباشرا لامس عقول الملايين: لماذا تستنزف مليارات الدولارات من أموال الضرائب في تمويل نزاعات عسكرية وتسليح مفتوح خارج الحدود، وعلى رأسها دعم آلة القتل الصهيونية، بينما يواجه المواطن أزمات حادة في الرعاية الصحية، والبنية التحتية، وتكاليف السكن؟
هذا الربط البراغماتي نجح في سحب البساط من الخطاب التقليدي، محولا ملفات السياسة الخارجية من شأن نخبوي معزول في واشنطن إلى ملف اقتصادي داخلي يمس جيب المستهلك ومستوى معيشته بصورة مباشرة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تبدل في الوجوه الانتخابية، بل هو مسار يعيد تعريف الأولويات الوطنية الأمريكية، وإنهاء عصر الانصياع الأعمى لمصالح جماعات الضغط
أفق التحول: نحو إعادة ضبط بوصلة واشنطن
تعكس هذه التحولات المتسارعة بداية مرحلة إعادة هيكلة حقيقية في السياسة الأمريكية؛ فالأجيال الشابة والتحالفات التقدمية، إلى جانب الحضور المتنامي للمسلمين في شتى مفاصل الإدارة، تؤسس لنهج جديد يسعى إلى تفعيل الرقابة الدستورية للكونغرس، وتقييد الصلاحيات التنفيذية في إشعال الحروب الخارجية أو تقديم الدعم العسكري دون مساءلة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تبدل في الوجوه الانتخابية، بل هو مسار يعيد تعريف الأولويات الوطنية الأمريكية، وإنهاء عصر الانصياع الأعمى لمصالح جماعات الضغط، وتوجيه بوصلة الدولة لتكون السياسات في خدمة المواطن والعدالة المجتمعية أولا وقبل كل شيء.
مرزوق فليج الحربي
الجزيرةزلزال في السياسة الأمريكية.. صعود المسلمين وتراجع نفوذ “إيباك” | الجزيرة نت