تعود قضية الجثامين المحتجزة والمفقودين إلى الواجهة، باليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، في 27 آب/أغسطس، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية قسوة في ظل الاحتلال الإسرائيلي. فالمسألة لا تتعلق بالموت وحده، وإنما بحرمان العائلات من حقها في معرفة مصير أبنائها ووداعهم ودفنهم، وتحويل الجثمان إلى أداة للضغط والعقاب والمساومة.
وتؤكد الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى أن المعطيات المتوفرة، في ضوء ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية عن احتجاز نحو 1700 جثمان، تشير إلى أن عدد الشهداء المعلومة هوياتهم لدى الجهات الفلسطينية يبلغ 799 شهيدا، كان آخرهم الشهيد فتحي خازم من جنين، الذي استشهد داخل منزله واحتجز جثمانه لاحقا.
ومن بين هؤلاء، تحتجز سلطات الاحتلال جثامين 256 شهيدا في ما يعرف بـ”مقابر الأرقام”، إضافة إلى 99 شهيدا من الأسرى، و81 طفلا دون سن 18 عاما، و10 شهيدات.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق سياسة احتجاز الجثامين، التي لم تعد حالات فردية أو استثنائية، بل ممارسة مستمرة على مدار عقود، تفاقمت خلال الحرب على قطاع غزة وما رافقها من قتل واختفاء قسري واحتجاز للجثامين.
جثامين الأسرى.. موت داخل السجون
ويشكل شهداء الحركة الأسيرة جزءا بارزا من هذا الملف، إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 99 شهيداً من الأسرى ورفض تسليمها إلى عائلاتهم.
ووفق مكتب إعلام الأسرى، فإن 88 من هؤلاء الشهداء ارتقوا داخل السجون منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي نحو 89% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة الذين قضوا منذ بدء الحرب على غزة.
ويأتي استمرار احتجاز جثامين الأسرى في ظل سياسة من التكتم والمماطلة، ما يثير مخاوف بشأن ظروف وفاتهم ومصير جثامينهم، ويطرح تساؤلات حول مدى احترام سلطات الاحتلال للقواعد المتعلقة بكرامة الموتى وحقوق عائلاتهم.
الجثمان.. أداة للسيطرة
لا تنتهي معاناة الفلسطيني باستشهاده، إذ يتحول جثمانه في حالات عديدة إلى وسيلة لاستمرار الضغط على عائلته. فبدلا من أن يكون الدفن نهاية لمسار الفقد، يصبح غياب الجثمان بداية لانتظار طويل، تعيش خلاله العائلة بين عدم اليقين والحرمان من الوداع.
وترافق عمليات تسليم الجثامين، في بعض الحالات، قيود وشروط تفرضها سلطات الاحتلال، بينها الدفن ليلاً، وتحديد عدد المشيعين، وفرض حضور أمني، واشتراط كفالات مالية أو نقل الجثمان إلى أماكن بعيدة عن العائلة.
وبذلك تمتد السيطرة إلى مراسم الدفن نفسها، وتحول لحظة الوداع إلى مساحة أخرى من القيود والإذلال.
وفي قطاع غزة، حيث جرى تسليم 930 جثمانا وفق توثيق الحملة، تبرز تساؤلات إضافية بشأن ظروف احتجاز الجثامين والتعامل معها، وما أثير من شبهات حول انتهاك حرمة الموتى أو التلاعب بأجسادهم، وهي قضايا تتطلب تحقيقا مستقلا وشفافا للوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات.
سياسة تعود إلى عقود
تعود سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين إلى عقود طويلة، فيما ارتبطت منذ عام 1967 بما يعرف بـ”مقابر الأرقام”، وهي مواقع دفن سرية احتُجزت فيها جثامين شهداء فلسطينيين بعيداً عن عائلاتهم ومن دون معلومات كافية عن أماكن وجودهم.
ورغم صدور توجيهات وقرارات قضائية إسرائيلية حدت في مراحل مختلفة من هذه الممارسة، عادت السياسة إلى التوسع منذ عام 2015، قبل أن تتوالى تشريعات وقرارات قضائية وفرت أطرا قانونية لاحتجاز الجثامين. وفي عام 2019، سمحت المحكمة العليا الإسرائيلية باحتجاز الجثامين لأغراض قالت إنها تتعلق بـ”المساومة”.
وبذلك تطورت الممارسة من إجراء استثنائي إلى سياسة تتداخل فيها القرارات العسكرية والتشريعات والأحكام القضائية، بما أبقى جثامين فلسطينيين محتجزة لسنوات، وحوّلها إلى ورقة ضغط حتى بعد وفاة أصحابها.
“حداد معلق”
ولا تقتصر آثار احتجاز الجثامين على فترة غيابها عن العائلة، بل تترك آثارا نفسية واجتماعية ممتدة. فالعائلة التي لا تملك جثمان ابنها لا تستطيع إتمام طقوس الوداع والدفن، وتبقى عالقة في حالة من الحداد المفتوح، غير قادرة على إغلاق دائرة الفقد.
وتزداد قسوة التجربة عندما تستعيد العائلات جثامين أبنائها بعد سنوات وهي تحمل آثار إصابات أو تشوهات، إذ تتحول لحظة الاسترداد التي يُفترض أن تنهي الانتظار إلى تجربة صادمة جديدة.
ومن هذا المنظور، يصبح احتجاز الجثمان شكلا من أشكال العقاب الذي يتجاوز الشهيد إلى عائلته، بحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية والدينية والاجتماعية: معرفة المصير، والوداع، والدفن بكرامة.
أرقام لا تختصر حجم القضية
ولا يمكن اعتبار الأرقام المتداولة نهائية، في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة، ووجود آلاف المفقودين، وصعوبة الوصول إلى أماكن الضحايا، فضلا عن استمرار حالات الإخفاء وعدم اكتمال عمليات التوثيق والتعرف إلى الجثامين.
ويعني ذلك أن خلف كل رقم اسما وعائلة وقصة حياة، وأن كل جثمان مجهول المصير يترك عائلة معلقة بين الأمل والخوف، بانتظار معرفة الحقيقة واستعادة حقها في الوداع.
كما أن قضية الجثامين لا تنفصل عن ملف المفقودين، إذ تتطلب معالجة الملفين آليات مستقلة للتوثيق والكشف عن المصير، وتحديد الهويات وأماكن الاحتجاز والدفن، والتحقيق في ظروف الوفاة والتعامل مع الجثامين.
حق لا يخضع للمساومة
يمس احتجاز الجثامين بصورة مباشرة كرامة الإنسان وحقوق الموتى وحق العائلات في معرفة مصير أقاربها، كما يتعارض مع المبادئ التي تفرض احترام الموتى والتعامل مع جثامينهم بكرامة ومراعاة الممارسات الدينية والإنسانية.
لذلك، فإن استرداد جثامين الشهداء لا ينبغي أن يبقى ملفا إنسانيا مؤجلا أو ورقة تفاوض، بل قضية تتطلب تحركا فلسطينياً ودوليا عاجلا للكشف عن مصير جميع الجثامين والمفقودين، وتحديد أماكن وجودهم وهوياتهم، وتسليمهم إلى عائلاتهم، إلى جانب فتح تحقيقات مستقلة في ظروف الوفاة والاحتجاز والتعامل مع الجثامين.
وفي اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، تتجدد المطالبة بتحرير جثامين الشهداء الأسرى وإنهاء سياسة احتجازها، باعتبار أن حق الإنسان في الكرامة لا ينتهي بموته، وأن حق العائلة في الوداع والدفن لا يجوز أن يكون موضع مساومة.
فالجريمة لا تنتهي بالموت، ما دام الجثمان محتجزا والعائلة محرومة من الحقيقة. واسترداد الجثامين هو، في جوهره، استرداد للحق في الكرامة والحقيقة والعدالة.
عرب48