يبدي ترامب نفادًا متزايدًا للصبر إزاء أسئلة الصحافيين، وحتى تجاه حلفاء بلاده. فخلال الأسبوع الماضي، انتقد بشدة صحافيين ضغطوا عليه بشأن ملفات السياسة الخارجية، وجدد تهديده بقصف سلطنة عُمان، الحليف الأميركي الذي يتفاوض مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.
حروب بلا حسم: أجندة ترامب الخارجية تصل إلى طريق مسدود قبل انتخابات التجديد النصفي
الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (Getty images)
مع وصول حرب إيران إلى مرحلة من الجمود المكلف، واستمرار أزمات مثل أوكرانيا وغزة دون حل، يبدو أن أجندة السياسة الخارجية الطموحة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وصلت إلى طريق مسدود، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر.
تابعوا تطبيق “عرب ٤٨”… سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات
وتكتسب هذه الانتكاسات أهمية خاصة بالنسبة إلى رئيس عاد إلى منصبه العام الماضي، متعهدًا بأداء دور “صانع السلام”، وجاعلًا تسوية الصراعات الدولية محور جدول أعماله خلال ولايته الثانية.
ويبدي ترامب نفادًا متزايدًا للصبر إزاء أسئلة الصحافيين، وحتى تجاه حلفاء بلاده. فخلال الأسبوع الماضي، انتقد بشدة صحافيين ضغطوا عليه بشأن ملفات السياسة الخارجية، وجدد تهديده بقصف سلطنة عُمان، الحليف الأميركي الذي يتفاوض مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.
وعادة ما يشكل عيد العمال، الذي يوافق السابع من أيلول/ سبتمبر هذا العام في الولايات المتحدة، الموعد الذي تبلغ فيه الحملات الانتخابية ذروة نشاطها. ويواجه الجمهوريون احتمال أن تؤدي الصراعات الخارجية التي لم تُحسم، وتداعياتها الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، إلى خسارتهم السيطرة على الكونغرس.
الجمود في حرب إيران يلقي بظلاله على المشهد السياسي
أوقف ترامب المحادثات مع طهران، بعدما أمضى أسابيع في السعي إلى التوصل إلى حل دبلوماسي، وأعلن، يوم الأربعاء، حملة جديدة من “الحرب الاقتصادية” ضد الجمهورية الإسلامية، في اعتراف واضح بأن الهجمات العسكرية التي استمرت لأشهر لم تجبر إيران على تقديم التنازلات التي تريدها الولايات المتحدة.
ومع استمرار التضخم وارتفاع أسعار البنزين جراء حرب إيران، تراجعت شعبية ترامب إلى مستوى متدنٍ جديد، إذ لم يؤيد سوى 33 بالمئة من الأميركيين أداءه، وفقًا لأحدث استطلاع أجرته رويترز/ إبسوس.
وتعثرت الجهود الأخرى الرامية إلى التوسط من أجل السلام.
وعاد جاريد كوشنر، مبعوث ترامب وصهره، يوم الإثنين، خالي الوفاض من محادثات جرت بهدف المضي قدمًا في اتفاق لإنهاء حرب غزة. كما لم تتحقق بعد الزيارة المرتقبة إلى كييف، التي يعتزم كوشنر ومبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، إجراءها لإحياء المفاوضات المتوقفة منذ فترة طويلة لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا.
وبعد سلسلة من الإنجازات المبكرة في مجال السياسة الخارجية، شملت التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، والقبض على رئيس فنزويلا، بات سجل ترامب يتسم، على نحو متزايد، بتعثر جهوده الدبلوماسية.
وقالت أصلي آيدين تاشباش، الباحثة في معهد بروكينغز للأبحاث في واشنطن: “نجح ترامب في تحدي توافق الآراء الراسخ في واشنطن بشأن السياسة الخارجية وتقويضه، لكنه لم يتمكن من تحويل هذا النهج إلى إستراتيجية تحقق نتائج ملموسة للأميركيين”.
حرب إيران تضع ترامب تحت الاختبار
قال أحد حلفاء ترامب، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن حرب إيران ألقت “عبئًا ثقيلًا” على كاهل الرئيس، بينما لا يوجد توافق في الآراء داخل البيت الأبيض بشأن سبل حل الأزمة.
وربما تتصاعد الضغوط إذا خلص المستثمرون إلى أن الحرب ستستمر، ما يرفع تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة، ويقيد أجندة ترامب الداخلية بشكل أكبر. ويقول ترامب إن الكلفة الاقتصادية تستحق العناء لضمان ألا تحصل إيران على سلاح نووي، رغم نفي طهران سعيها إلى الحصول على هذا السلاح.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: “نجح الرئيس ترامب في إعادة هيبة أميركا، والنتائج تتحدث عن نفسها. لقد انتهت تسع حروب، وأُطلق سراح رهائن من غزة، وأصبحت الاتفاقات التجارية أكثر عدالة، والآن لن يُسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أبدًا”.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب إن العقوبات الأميركية والحصار البحري شلّا الاقتصاد الإيراني، وجعلا البلاد “مفلسة تمامًا”، مضيفًا: “يمتلك الرئيس مجموعة من أوراق الضغط التي يمكنه استخدامها بقوة أكبر خلال الأسابيع المقبلة”.
أسلوب غير تقليدي بنتائج متباينة
يثني بعض الخبراء على ترامب لاستعداده للتعامل مع قضايا يعتقدون أن الرؤساء الآخرين لم يكونوا قادرين أو راغبين في حلها.
وقال نيك سنايدر، الباحث في معهد هدسون: “يريد الرئيس عالمًا أكثر استقرارًا، وهذا يعني محاولة حل الصراعات، سواء كانت ساخنة مثل أوكرانيا، أو باردة مثل التجارة والطاقة الإنتاجية الزائدة”، مضيفًا أن ترامب عمل أيضًا على تسوية الصراعين بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبين تايلاند وكمبوديا.
وقلب ترامب المعايير الدبلوماسية التقليدية لإحلال السلام رأسًا على عقب، إذ اعتمد على استغلال القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية، حتى مع حلفاء الولايات المتحدة، لكن هذا الأسلوب غير التقليدي أسفر عن نتائج متباينة.
فقد جمع موسكو وكييف إلى طاولة المفاوضات بهدف إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن الحرب الأطول في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لا تزال بعيدة كل البعد عن نهايتها، إذ أسفرت أحدث الغارات الجوية الروسية عن مقتل 16 شخصًا في العاصمة الأوكرانية، يوم الخميس.
وفي غزة، يخشى الوسطاء من أن يؤدي تكثيف الضربات الإسرائيلية على القطاع إلى تقويض جهود إنهاء الصراع، إذ تتردد كل من إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في قبول الشروط اللازمة للمضي قدمًا في الخطة التي وضعها ترامب، في تشرين الأول/ أكتوبر، لإنهاء الحرب. وفي لبنان، أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية عن مقتل 11 شخصًا، يوم الأحد، حتى في الوقت الذي لا يزال فيه إطار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وبيروت، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، ساري المفعول.
وتحقق ما يُعد نجاحًا ملحوظًا في فنزويلا، إذ ألقى الجيش الأميركي القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، دون خسائر في صفوف القوات الأميركية. ويقول محللون إن العملية ساعدت في إقناع ترامب بأن الانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران سيمضي أيضًا بسلاسة.
لكنهم يقولون أيضًا إن ذلك تبين أنه سوء تقدير للأمر. ويرون أن ترامب اعتمد، بشكل مبالغ فيه، على ممارسة ضغوط قسرية، على الرغم من أن قادة إيران ليس لديهم حافز يُذكر يدفعهم إلى التراجع وإعادة فتح مضيق هرمز، حتى مع تضرر اقتصاد البلاد.
وقال ستيفن فيرتهايم، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: “إنه مهووس باستخدام الإكراه، وأحيانًا المداهنة، لإخضاع الآخرين لإرادته، لكنه غافل عن أهدافهم الإستراتيجية وسياساتهم الداخلية. ونتيجة لذلك، يواصل التخبط والفشل”.
لكنه، في الوقت نفسه، في سباق مع الزمن، إذ يواجه الحزب الجمهوري، الذي ينتمي إليه ترامب، انتخابات قد تكلفه السيطرة على إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما، وتحد بشكل حاد من قدرته على المضي قدمًا في تنفيذ جدول أعماله خلال السنتين الأخيرتين من ولايته.
ويقول المحللون إن اعتماد ترامب على الضغوط القسرية يمكن أن يجلب الخصوم إلى طاولة المفاوضات، لكنه كثيرًا ما يفشل في التوصل إلى تسويات دائمة، وهو ما قد يشجع الخصوم على انتظار انتهاء ولايته.
وقالت آيدين تاشباش: “يدرك خصوم الولايات المتحدة أن وقته السياسي أقصر من وقتهم، وأنه، على الرغم من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط قسرية هائلة، فإن صبرها قد ينفد في نهاية المطاف”.
وأضافت: “لذلك، قد يرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي، وإيران، في الانتظار… وبعد تشرين الثاني/ نوفمبر، سيصبح الحافز لانتظار انتهاء ولاية ترامب أكثر وضوحًا”.
عرب48
حروب بلا حسم: أجندة ترامب الخارجية تصل إلى طريق مسدود قبل انتخابات التجديد النصفي