شكّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول كبرى في السياسة الخارجية والأمنية للولايات المتحدة، إذ دفعت واشنطن إلى خوض حرب واسعة النطاق على “الإرهاب” استمرت نحو ربع قرن، وشملت غزو أفغانستان والعراق وخلفت كلفة بشرية ومالية وسياسية هائلة، وأثارت تساؤلات حول جدوى تحويل “مكافحة الإرهاب” إلى مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وفي مقال بمجلة فورين أفيرز، يقول الكاتب فيليب غوردون إن حجم الخوف الذي سيطر على الأمريكيين بعد 11 سبتمبر يصعب استيعابه على من هم دون الثلاثين اليوم، بعدما شهدت البلاد هجمات الجمرة الخبيثة ومحاولات تفجير طائرات وهجمات إرهابية في مدن مختلفة حول العالم، فضلا عن عمليات دهس وإطلاق نار وطعن.
ويرى غوردون أن منفذي تلك الهجمات لم يخطفوا الطائرات فقط، بل خطفوا أيضا مسار السياسة الخارجية الأمريكية. فالرئيس جورج بوش الابن، الذي وصل إلى البيت الأبيض متعهدا بسياسة خارجية متواضعة، تحول بعد سنوات قليلة إلى قيادة ما سُمي “الحرب العالمية على الإرهاب”، وغزا العراق عام 2003 في محاولة لإسقاط نظام صدام حسين وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ويشير الكاتب إلى أن هذه المقاربة استمرت مع خلفائه. فقد وسّع الرئيس باراك أوباما الحرب في أفغانستان، ورفع عدد القوات الأمريكية هناك إلى نحو 100 ألف، وحوّل استخدام المسيّرات إلى أداة منتظمة. أما دونالد ترمب، فعلى الرغم من انتقاداته للتدخلات الخارجية، لم يتمكن من إنهاء الحرب في أفغانستان أو الانسحاب الكامل من سوريا، قبل أن يرث جو بايدن هذا الملف ويقرر تنفيذ اتفاق الانسحاب الذي أبرمته إدارة ترمب مع حركة طالبان.
انتصارات بثمن باهظ
ويرى غوردون أن الحرب حققت عدة نجاحات، أبرزها مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 2011 وإضعاف البنية القيادية لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، اللذين فقدا الأراضي والموارد والقدرة على تهديد الحكومات الغربية والإقليمية كما كانا يفعلان في ذروة قوتهما.
وحسب الكاتب، فإن الهدف الأساسي للحرب تحقق إلى حد كبير، إذ مرت 25 عاما من دون وقوع هجوم إرهابي واسع النطاق تنفذه جماعة أجنبية على الأراضي الأمريكية، وهو أمر لم يكن يتوقعه كثيرون في أعقاب 11 سبتمبر/أيلول.
لكنّ الكاتب يؤكد أن هذا الإنجاز جاء بكلفة ضخمة. فالحربان في العراق وأفغانستان كلفتا الولايات المتحدة ما لا يقل عن 4 تريليونات دولار، أو 6 تريليونات عند احتساب المعاشات العسكرية. كما قُتل نحو 7 آلاف عسكري أمريكي وآلاف المتعاقدين، إلى جانب مئات الآلاف من العراقيين وعشرات الآلاف من الأفغان.
خطأ غزو العراق
ويعتبر غوردون أن أكبر أخطاء الحرب لم تكن تكتيكية، بل قرار تحويل مكافحة الإرهاب إلى مشروع عسكري عالمي. ويشير إلى أن إدارة بوش بالغت في ردها على هجمات 11 سبتمبر ، خصوصا عندما غزت العراق رغم عدم وجود دليل يربط نظام الرئيس صدام حسين بالهجمات.
ويضيف أن حل الجيش العراقي وإقصاء عشرات الآلاف من مسؤولي حزب البعث بعد الغزو أسهما في خلق مقاومة مسلحة غذّت سنوات من العنف، قبل أن يؤدي الاضطراب في العراق لاحقا إلى توفير بيئة ساعدت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية.
ويرى الكاتب أن التركيز على تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، بدلا من توسيع الحرب لتشمل العراق وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، كان يمكن أن يحقق حماية الأمريكيين بكلفة أقل بكثير.
نهاية الحرب وإرثها الثقيل
ويشير غوردون إلى أن الحرب على الإرهاب تبدو في طريقها إلى النهاية خلال الولاية الثانية لترمب، إذ تراجعت مكافحة تنظيمَي القاعدة وتنظيم الدولة في سلم أولويات الإدارة مقارنة بقضايا إستراتيجية أخرى. لكنه يحذر من أن انتهاء الحرب بوصفها إطارا للسياسة الخارجية لا يعني اختفاء خطر الإرهاب.
ويخلص إلى أن ربع قرن من الحرب جعل أمريكا أكثر أمنا في بعض الجوانب، لكنه جعلها أيضا أكثر فقرا وانقساما، وأقل احتراما في العالم وأكثر إنهاكا من التدخلات الخارجية. ومن ثم، فإن الدرس الأبرز، بحسب غوردون، هو أن الخوف المشروع والسعي إلى الأمن المطلق قد يدفعان قوة كبرى إلى تجاوز حدودها، فتترتب عن ذلك نتائج يصعب التنبؤ بها أو التراجع عنها.
المصدر: فورين أفيرز
من 11 سبتمبر إلى أفغانستان.. كم كلفت حرب أمريكا على “الإرهاب”؟ | سياسة | الجزيرة نت