أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه اختار التعامل “بهدوء” مع إيران، مفضّلا الركون الى الضغط الاقتصادي عليها بدلا من الرهان على الدبلوماسية أو شنّ ضربات عسكرية جديدة، في عودة الى أسلوب سبق أن اعتمده معها خلال ولايته الأولى، وتؤكد طهران أنه لن يبدّل من مواقفها.
وقال ترامب في اتصال مع موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي “نحن نتعامل مع الأمر بهدوء”، مضيفا أن واشنطن تجري مع طهران “مفاوضات محدودة النطاق. نحن نكتفي بمراقبة إيران، مع تضخّمها الاقتصادي الهائل وحقيقة أن لا مال لديها”.
ومن دون أن يستبعد بالمطلق شنّ ضربات إضافية، جدد ترامب هذا الأسبوع الحديث عن الرهان على الضغوط الاقتصادية لإلزام طهران على إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته، باستثناء فترات وجيزة وبشروط، منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها في 28 شباط/فبراير.
وهو قال الاثنين “إيران مفلسة، مفلسة تماما، وهم لا يدفعون رواتب جنودهم”. وكرّر أن نسبة التضخم في الجمهورية الإسلامية تجاوزت 300 في المئة.
– “تراجُع” –
والأربعاء، ألمح ترامب الى عدم وجود ضرورة ملحة للتحرك عسكريا ضد إيران في ظل الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على موانئها. وشبّه الرئيس هذا الحظر بـ”الجدار الفولاذي”، معتبرا أن طهران “عاجزة إزاءه”.
ورغم القيود التي تفرضها الجمهورية الإسلامية على حركة الملاحة في هرمز، زعم ترامب أن واشنطن تفرض سيطرة كاملة على هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة والشحن البحري عالميا.
ومنذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، تحوّل مضيق هرمز الى نقطة تجاذب رئيسية بين واشنطن وطهران، مع تأكيد الأخيرة أن حركة الملاحة البحرية فيه لن تعود الى سابق عهدها، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وأطراف عدة.
وخفّض الرئيس الأميركي الذي بات يُعرف بتصريحاته المتقلبة وموافقه المتناقضة، من سقف تهديداته لإيران. كما قلّل من شأن احتمال تحقيق اختراق دبلوماسي، بعدما كرّر في الآونة الأخيرة الحديث عن مفاوضات مع طهران، ليردّ مسؤولون إيرانيون بنفي إجرائها.
ويُرجح أن ترامب يعتزم حاليا اللجوء الى سلاح قديم استخدمه مع إيران.
فخلال ولايته الرئاسية الأولى، قام ترامب في العام 2018 بسحب بلاده أحاديا من الاتفاق الدولي بشأن النووي الإيراني، والذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء فرض قيود على برنامجها وضمان سلمية أنشطتها.
وبعد ذلك، اعتمد الرئيس الجمهوري سياسة “الضغوط القصوى” حيال الجمهورية الإسلامية، والتي قامت على إعادة فرض العقوبات الاقتصادية وتوسيع نطاقها، خصوصا في مجال تصدير النفط.
وتستعيد واشنطن حاليا هذا التكتيك.
ففي نهاية تموز/يوليو، أعلنت واشنطن عن إجراءات جديدة تستهدف الحرس الثوري.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن مستشاري ترامب عرضوا عليه بيانات حول تأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني، وأنه يدرس حاليا تشديدها وأيضا فرض قيود جديدة.
لكنّ المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أن مصير الضغوط الاقتصادية الحالية، لن يكون مختلفا عن تجاربهم السابقة مع العقوبات التي بدأت الولايات المتحدة فرضها على بلادهم في حقبة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
ورأى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية اسماعيل بقائي أن توجه ترامب حاليا نحو العقوبات هو أقرب الى “تراجُع”.
وقال في منشور على منصة إكس “كلما أثبتت واشنطن عجزها عن انتهاج الدبلوماسية، تلجأ إلى العقوبات؛ وكلما فشلت تلك العقوبات في تحقيق النتائج، تكتفي بزيادة الجرعة”.
ورأى أن “الخطر الحقيقي هو أن الساسة الأميركيين، المتمسكين بهذه العادة، سيقضون على ما تبقّى لهم من فرص للخروج بطريقة أقل إذلالا من أزمة هي من صنع يديهم”.
ويقول الباحث في مركز “بروكينغز” مايكل أوهانلون إن “إيران في وضع اقتصادي سيئ للغاية. لا يمكنها شحن النفط بأي مستوى يُعتدّ به، وترزح تحت وطأة العقوبات ولا تزال غير قادرة على استخدام أصولها في الخارج”.
ويتابع “لكن السؤال هو: هل يهتم قادتها حقا؟ أعتقد أنهم يهتمون بعض الشيء، ولكن ليس كثيرا”.
– رقعة شطرنج –
ويأتي تكتيك ترامب الراهن ليخالف جذريا مواقف حديثة له، توعّد فيها إيران بضربات قوية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.
وقد يؤشر هذا التحول إلى محدودية الخيارات العسكرية المتبقية، في ظل تقارير صحافية تفيد بأن الولايات المتحدة باتت تعاني نقصا في مخزونات الذخيرة، خصوصا الصواريخ الاعتراضية لأنظمة الدفاع الجوي، والتي استنفد جزء كبير منها في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة في أنحاء المنطقة.
لكنه قد يؤشر أيضا على استراتيجية أميركية طويلة الأمد.
ففي تصريحاته الأسبوع الماضي، رأى ترامب أن النزاع مع إيران “سيُحل”. أضاف “الأمور دائما تُحل. الأمر أشبه بلعبة شطرنج”.
لكن ردّ طهران لم يتأخر، اذ أكد بقائي الاثنين أن “الإيرانيين أظهروا أنهم لاعبو شطرنج محترفون”، أكان في المداولات العلنية أم السرية.
رأي اليوم