أكّدت البيانات الإسرائيليّة الواحد تلو الآخر عن التأثير غير المسبوق للحرب على الصحة النفسية للإسرائيليين، ويحذر الخبراء قائلين: “إنّها أزمةً وطنيّةً، لكنّ الدولة تختار غض الطرف عنها”، وقالت (هآرتس) العبريّة في تحقيقٍ استقصائيٍّ إنّ الحديث يجري عن ارتفاعٍ حادٍّ في ظواهر مثل القلق، واضطرابات النوم، والعنف الأسريّ، واضطرابات الأكل، وحوادث السيارات، بسبب الحروب المستمرّة التي تخوضها دولة الاحتلال.
ولفتت الصحيفة إلى أنّه “منذ بداية الحرب، نشرت سلسلةً من شهادات أشخاصٍ جددٍ يعانون من إصاباتٍ نفسيةٍ، ووصف هؤلاء قناعًا من العذاب، وألمًا نفسيًا يُلقي بظلاله الثقيلة على حياتهم، وقد يُوحي الاطلاع على هذه الشهادات بأنّها حالاتٍ متطرفةٍ، أوْ مجرد حكايات، إلّا أنّ المحادثات التي أجرتها (هآرتس) في الأسابيع الأخيرة مع كبار مسؤولي الصحة النفسية في إسرائيل ترسم صورةً مختلفةً ومقلقةً، وقال البروفيسور إيال فروختر، رئيس المجلس الوطني لمرض ما بعد الصدمة: (الأرقام لا تدع مجالًا للشكّ، إسرائيل تعيش أزمةً وطنيّةً)”.
ويقول الخبراء أولًا، إنّنا بحاجة إلى مراجعة بيانات وزارة الأمن، فقبل الحرب، عالج قسم إعادة التأهيل حوالي 62 ألف جريح، منهم حوالي 11 ألفًا يعانون من إصاباتٍ نفسيّةٍ، وبحلول الشهر الماضي، قفزت الأرقام إلى حوالي 87 ألفًا و31 ألفًا على التوالي. لكن الأرقام الحالية ليست ما يقلق الخبراء حقًا.
وأوضحت البروفيسورة زهافا سولومون، إحدى أبرز الباحثات في مجال الصدمات النفسية على مستوى العالم: “أنّ الضرر الذي نشهده اليوم ليس سوى جزء صغير، إنْ لم يكن قمّة جبل الجليد، ممّا سيأتي لاحقًا. تُظهر الأبحاث وجود معدلاتٍ كبيرةٍ من ردود الفعل المتأخرة. إنّ فترات الهدوء تحديدًا هي التي تسمح بظهور الصدمات النفسية. فالعديد من الجنود المسرحين أشبه بقنابل موقوتةٍ”، على حدّ تعبيرها.
ومضت الصحيفة قائلةً إنّه “لو كانت هذه حربًا كغيرها من الحروب، لكانت قوات الأمن هي المسؤولة عن معظم الأضرار النفسية، لكن هذه الحرب مختلفة، وأكثر تعقيدًا. فالمواطنون لا يكتفون بمشاهدة الحرب من بعيدٍ، بل تصل أهوالها إلى الجبهة الداخليّة، مخلفةً ضحايا جسديين ونفسيين. سكان المناطق التي تُسّمى بمستوطنات غلاف غزّة، والشباب الذين شاركوا في حفلة (نوفا)، خلال هجوم (حماس) المباغت في أكتوبر 2023، ومواطنون أصيبت منازلهم بصاروخٍ إيرانيٍّ، وكلّما طالت الحرب، اتسّعت دائرة الضحايا.”
“أرقام الذين يُعانون نفسانيًا”، كما يوضح البروفيسور يوسي ليفي بلاز، “لا تمثل بشكلٍ صحيحٍ شدة الألم النفسيّ الذي واجهه مواطنو إسرائيل في السنوات الثلاث الماضية”. ووفقا له، غالبًا ما يُركِّز الخطاب العام على أولئك الذين تمّ تشخيص إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة بعد استيفاء معايير تشخيصيةٍ محددةٍ، ومع ذلك، وجدت دراسةً طوليّةً ترأسها أنّ عدد الإسرائيليين الذين ظهرت عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بين السكان خلال الحرب كان أعلى بكثيرٍ.
“لكن، عندما ننظر إلى المجتمع الإسرائيليّ من منظورٍ أوسع”، كما يوضح ليفي-بليز، “يتضح أنّنا جميعًا، إلى حدٍّ ما، جزءٌ من فئةٍ معرضةٍ للخطر”. ويشرح قائلاً: “في المصطلحات المهنيّة، نسمي هذا (الصدمة الجماعيّة)، أيْ حدثًا صعبًا يؤثر علينا ليس فقط كأفرادٍ، بل كمجتمعٍ، وكدولةٍ، ويضيف أنّ هجوم 7 أكتوبر والحرب التي تلتها متداخلتان في بنيتنا الاجتماعيّة وهويتنا وعلاقاتنا الشخصيّة”، مؤكِّدًا أنّه “لا يمكننا الاكتفاء بالنظر إلى الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، فهم يصرخون في وجوهنا بشأن شيءٍ أكبر يحدث هنا”، ويتابع: “المجتمع الإسرائيليّ منهكٌ، ويشعر بإنهاكٍ شديدٍ. إنّه يواجه معضلاتٍ أخلاقيّةٍ، وشعورًا بالخيانة من جانب القادة والدولة”.
ويشرح قائلاً إنّ الصدمة الجماعية “تحت الجلد، فهي لا توقفك مثل اضطراب ما بعد الصدمة، ففي بعض الأحيان يبدو الناس بخيرٍ، بل وأكثر من اللازم، يخرجون ويستمتعون. لكن يجب ألّا ننسى أنّ الأمر لم ينتهِ بعد، فالأمر لا يقتصر على المظهر الخارجيّ فقط، بل إنّ الأسئلة والمخاوف لا تزال تؤرقهم”.
من ناحيته، قال بروفيسور يائير بار حاييم للصحيفة: “كلّ جولةٍ قتاليّةٍ تُخلّف آلاف الجرحى الجدد، وتُضعف الأحداث الصادمة المتكررة الفرد. في كلّ مرّةٍ يخوض فيها جنديٌّ احتياطيٌّ جولةً أخرى، تتآكل صلابته النفسية، وتتصدّع حصونه. حتى لو لم يحدث ذلك في الجولات الأولى، فقد يحدث في السادسة أو السابعة”.
وأكّد: “إلى جانب الجنود، هناك أيضًا مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين كانوا قبل السابع من أكتوبر دون عتبة التشخيص السريريّ لمختلف الاضطرابات النفسيّة، والذين تجاوزوها بعد الحرب. هؤلاء أناسٌ كانوا بطبيعتهم يميلون إلى الكآبة والقلق، لكنّهم كانوا يمارسون حياتهم بشكلٍ طبيعيٍّ. وأدى الضغط إلى تآكل صلابتهم النفسيّة، وتجاوزوا عتبة التدهور الكبير في أدائهم. وقد ينضّم إليهم المزيد من المدنيين، ويجب أنْ نتوقف، قبل أنْ يجرفنا هذا التسونامي جميعًا”
رأي اليوم