You are currently viewing الجيش الإسرائيلي وأزمة القوى البشرية: معركة على الهوية لا على الدبابة

الجيش الإسرائيلي وأزمة القوى البشرية: معركة على الهوية لا على الدبابة

في مفارقة لافتة، يُهدّد نقص 12 ألف جندي بانهيار “الجيش” الإسرائيلي، وفق تحذير رئيس أركانه، بينما يهدّد احتجاج 45 معهداً دينياً صهيونياً (مدارس التسوية) بفقدان آلاف “المقاتلين النوعيين”. “الجيش” بحاجة للجميع، والحاخامات يرفضون عمل المقاتلات في سلاح المدرّعات. رئيس الأركان يعلن “لا دمج في الطواقم”، لكنّ المعركة الحقيقية ليست حول الدبابة، بل تدور في العمق حول “هوية الجيش”.

تحذيرات زمير من انهيار “الجيش”
جدّد رئيس هيئة الأركان إيال زمير تحذيراً غير مسبوق للمستوى السياسي، مؤكّداً أنّ “الجيش” الإسرائيلي “سينهار” إذا لم يُمدَّد قانون الخدمة الإلزامية إلى 36 شهراً. جاء هذا التحذير في إحدى جلسات “الكابينت” الأخيرة، حيث قال للوزراء بوضوح: “أرفع اثني عشر علماً أحمر، والجيش سينهار على نفسه”.

ويأتي تكرار هذا التحذير في ظلّ أزمة قوى بشرية حادّة، إذ يعاني “الجيش”، وفق اعترافات الجهات المختصّة في “الجيش”، نقصاً يزيد على 12 ألف جندي، بينهم 7500 مقاتل. والأكثر إلحاحاً أنّ الخدمة الإلزامية ستعود إلى 30 شهراً في كانون الثاني/يناير 2027، مما سيخلق فجوة تعادل دورة تجنيد كاملة، أي ما يعادل سرِّية عسكرية ناقصة في كلّ كتيبة اعتباراً من الشهر المذكور.

وبنظر “الجيش”، يمثّل الأسبوعان المقبلان الفرصة الأخيرة لتعديل قانون الخدمة الإلزامية، أي تمديد مدة الخدمة إلى 36 شهراً، قبل حلّ الكنيست والذهاب إلى انتخابات من شأنها تجميد التشريع لفترة طويلة. وقد اجتاز المشروع القراءة الأولى في تموز/يوليو 2024، وهو ينصّ على تطبيق التمديد على جميع دورات التجنيد مع حوافز مالية للخدمة الأطول.

وبحسب “الجيش” الإسرائيلي، فإنّ تمديد الخدمة الإلزامية يهدف إلى سدّ النقص في الجنود وتقليل الاعتماد المتكرّر على قوات الاحتياط، بما يخفّف الضغط على الجنود والاقتصاد معاً.

وتشمل التوصيات الإضافية التي يدرسها “الجيش” تقليص مدة الخدمة التحضيرية في “مدارس التسوية” (يشيفوت الهسدير)، وتمديد خدمة طلاب “مدارس التسوية” الذين يخدمون حالياً سنة وأربعة أشهر فقط، مقارنة بزملائهم الذين يخدمون فترات أطول بكثير.

يكمن جوهر الأزمة في التناقض بين حاجة “الجيش” الماسّة لكلّ مقاتل ومقاتلة في ظلّ النقص الحادّ، وبين رفض الحاخامات للخدمة المشتركة التي يرونها تتعارض مع معتقداتهم الدينية. فـ “الجيش” بحاجة إلى المقاتلات كما يحتاج إلى طلاب مدارس التسوية الذين يشكّلون جزءاً أساسياً من هيكل القيادة، خاصة في وحدات المشاة والمدرّعات.

والحلّ المطروح يتمثَّل في إنشاء أطر منفصلة بالكامل: أطقم دبابات نسائية كاملة إلى جانب أطقم دبابات رجالية كاملة، مع تجميع المقاتلات ضمن إطار خاصّ ومغلق. وقد يساهم هذا الحلّ في تقليص نقاط الاحتكاك والسماح للطرفين بمواصلة الخدمة.

تمرّد الحاخامات يفاقم أزمة القوى البشرية النوعية
في الوقت الذي يحذّر فيه رئيس الأركان من انهيار “الجيش” بسبب نقص المقاتلين، والإنهاك المتواصل، يتصاعد احتجاج حاخامات المدارس الدينية في التيار الصهيوني الديني ضدّ خطة “الجيش” التي تقضي بدمج النساء كمقاتلات داخل الدبابة مع الرجال في سلاح المدرّعات، مما يضع “الجيش” في مأزق مزدوج.

فقد أعلن اتحاد “مدارس التسوية” العليا، الذي يضمّ نحو 45 مؤسسة بارزة، التوقّف نهائيّاً عن إرسال طلابهم للخدمة في سلاح المدرّعات، احتجاجاً على محاولات دمج الجنود والنساء المجنّدات، على غرار ما حدث سابقاً في سلاح المدفعية. وجاء هذا القرار رغم رسالة رئيس الأركان لتهدئة التوتر، والتي رُفضت ووُصِفت بـ”محاولة تخدير الحاخامات”.

وأوضح مسؤول في هذه المدارس العسكرية أنّ رئيس الأركان يدرك أبعاد المشكلة، لكنه يتجنّب مواجهة المحكمة العليا والمنظمات التي تضغط من أجل دمج النساء في سلاح المدرّعات. وحذّر من أنّ المضي في هذا المسار قد يدفع مئات، وربما آلاف، المجنّدين من أبناء التيار الصهيوني الديني، الذين يشكّلون رافعة أساسية لسلاح المدرّعات، إلى العزوف عن الالتحاق بهذه الوحدات والانتقال إلى أطر عسكرية أخرى.

وتزامنت هذه الخطوة مع توقيع أكثر من 30 رئيس “مدرسة تسوية” على رسالة تدعو طلابهم إلى الامتناع عن الخدمة في المدرّعات، وانضمام الحاخام يغال ليفنشتاين من أكاديمية “بني دافيد” الذي دعا طلابه إلى وحدات مثل “شاييطت 13″ و”شلداغ” مع تجنّب “سييرت متكال” بسبب دمج النساء، إضافة إلى انضمام رؤساء أكاديميات تمهيدية بارزة يدعون طلابهم للخدمة في وحدات ليس فيها اختلاط مباشر مع النساء.

ويشير معلّقون إلى أنّ قرار 25 رئيس “مدرسة تسوية” (يمثّل هذا العدد نحو ثلث هذه المدارس في “إسرائيل”) ليس مجرّد خلاف ديني اعتيادي، بل هو حدث ذو دلالة استراتيجية في قضية القوى البشرية، يضع علامة استفهام فوق أحد أهم مصادر القوى البشرية النوعية في الوحدات القتالية.

وتكشف المعطيات أنّ الأزمة نتاج مسارين تصادميّين: من جهة، ثورة المقاتلات التي وصل عددهن إلى 8500 مقاتلة في “الجيش”، مع تضاعف نسبة المجنّدات المتديّنات من بنات التيار الصهيوني الديني. ومن جهة أخرى، صعود التيار الصهيوني الديني ليصبح عموداً فقريّاً في القيادة العسكرية، مع مطالب واضحة بالفصل والاحتشام داخل “الجيش”.

صراع هوية تحت غطاء نقاش تقني
في تحليل لافت، وصفت معلِّقة سياسية (قالت إنها خدمت سابقاً كضابطة في سلاح المدرّعات) موقف الحاخامات بأنه “هوس بالمسائل الجنسية” يختزل المرأة في كونها أنثى فقط، وتساءلت: “هل النساء مجرّد أجساد وإغراءات؟” واعتبرت أنّ هذا الموقف “جنوني وليس يهوديّاً”، مشيرة إلى أنّ بقية الصهيونية الدينية في الخدمة النظامية يخدمون في الدبابات من دون مشكلات لأنهم يرون المرأة أكثر من مجرّد فكرة جنسية.

وفي المقابل، أكد معلّق عسكري أنّ رئيس الأركان شدّد في مناقشة المشروع التجريبي على أنّ نجاحه يقاس بمعيارين: الكفاءة المهنية وفق المقاييس العملياتية من دون مساومات، وإقامة إطار مقاتل وظيفي لتأهيل كامل. وأوضح زمير أنه “لن يكون هناك دمج للرجال والنساء في طواقم الدبابات”، بل في سرِّية منفصلة كحدٍّ أدنى، مع ملاءمات لأوامر الخدمة المشتركة.

غير أنّ معلّقين ومحلّلين يشيرون إلى أنّ الخلاف أعمق مما يبدو؛ فوراء الجدل حول الدبابة يختبئ صراعُ نفوذٍ وهويّة حول من يحدّد هوية “الجيش” الإسرائيلي مستقبلاً. فكلما ازداد وزن أبناء الصهيونية الدينية داخل الوحدات القتالية، ازدادت قدرة الحاخامات على التأثير في الأجندة العسكرية. ويخشى بعض كبار الضباط من أن يجدَ “الجيش” نفسه مضطراً مراراً إلى الفصل بين مطالب “فئوية” مختلفة، بدلاً من العمل وفق رؤية “قومية” موحّدة.

لكنّ السؤال الأكبر يبقى، بحسب معلّقين عسكريين: كيف يمكن لـ “الجيش” الإسرائيلي تحقيق التوازن بين المجموعات المختلفة التي أصبحت جزءاً لا يتجزَّأ منه، مع الحفاظ على قرارات تنطلق من رؤية “قومية” عامة لا من فرض طرفٍ رؤيته على الآخر؟ فالمعركة الحقيقية، كما يخلص المعلّقون، ليست حول الدبابة، بل حول من سيحدّد هوية “الجيش” الإسرائيلي في السنوات المقبلة.

الميادين

الجيش الإسرائيلي وأزمة القوى البشرية: معركة على الهوية لا على الدبابة | الميادين

شارك المقالة