عبد الباري عطوان
نعترف اننا، نحن الذين تابعنا التهديدات التي أطلقها دونالد ترامب طوال الاشهر الأربعة الماضية من الحرب، لم نتوقع هذا الانتصار الكبير الذي حققته الدولة الإسلامية الإيرانية، وهذه الهزيمة المذلة والمهينة للإدارة الامريكية، وما يؤكد ما نقول حالة اللطم والنواح التي تسود دولة الاحتلال الإسرائيلي.
فمن كان يصدق ان ترامب الذي كان من أبرز أهدافه اسقاط النظام الإيراني يجلس معه على مائدة المفاوضات، والرضوخ لكل شروطه، وأبرزها تأجيل وأبرزها تأجيل البحث في موضوع البرنامج النووي الى أكثر من 60 يوما، ويقبل امتلاك ايران لصناعة صاروخية باليستية متطورة جدا، والأخطر من ذلك هو الدفاع عنها وتبرير هذه الخطوة الإيرانية التي قال انها مشروعة في ظل امتلاك دول في المنطقة هذا النوع من الصواريخ.
***
الصحافة الإسرائيلية وصفت الاتفاق الذي جرى تقديم توقيعه لمدة يومين بضغوط من الإدارة الامريكية بأنه هزيمة استراتيجية كبرى لامريكا، وبيع لإسرائيل بأرخص الاثمان، وذهب فريق بنيامين نتنياهو الإعلامي الى ما هو أخطر من ذلك، بالتطاول على جيه دي فانس نائب الرئيس الامريكي بأقذر الشتائم التي نتعفف هنا عن ذكرها، واتهام كل من جاريد كوشنر تلميذ نتنياهو والصهيوني الآخر ستيف وتكوف بمعاداة السامية، وبيع إسرائيل مقابل مكاسب مالية شخصية.
امريكا تتنازل، والدولة الإيرانية صامدة في مكانها، ولم يتم تدمير قدراتها الصاروخية او مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وفازت برفع كامل للحصار الأمريكي على موانئها، ورفع معظم العقوبات الامريكية الاقتصادية، وفوق هذا وذاك، 300 مليار دولار كصندوق لتغطية نفقات إعادة الاعمار فيها من المحتمل ان تأتي من خزائن الدول الخليجية العربية.
كل هذه الإنجازات الإيرانية تحققت بسبب عدم خضوع الدولة الإيرانية وقيادتها للتهديدات الامريكية، ولا الاستسلام للعدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك، وبمبادرتها بالرد الفوري على هذا العدوان وصواريخه وطائراته وقصف بوارج حربية، واغلاق مضيق هرمز، وقصف تل ابيب وحيفا وصفد وعسقلان وباقي المدن الفلسطينية المحتلة الأخرى.
إنجازات ايران العسكرية ضخمة أبرزها تدمير القواعد الامريكية في قطر والكويت والامارات والبحرين، واسقاط أكثر من 35 طائرة حربية أمريكية مقاتلة، سواء بأجنحة صلبة مثل المقاتلة الشبح (اف 35)، او القاذفة “اف 15″، او الانذار المبكر “اواكس”، ولا ننسى أكثر من 4 طائرات التزويد بالوقود في الجو للطائرات الإسرائيلية المعتدية، ولعل العبارة القوية التي وردت على لسان إسماعيل بقايي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “صواريخ ايران جرى تصنعيها لقصف العدو وليس للتفاوض حولها”، اكبر تعبير يعكس الصورة.
هذه الروحية القتالية العالية، والاستعداد المدروس للتصدي للاعتداءات، والإدارة الذكية للمفاوضات، وتكريس نظرية وحدة الساحات، وعدم التخلي مطلقا عن الحلفاء في محور المقاومة، كلها عوامل لعبت دورا كبيرا في تحقيق هذه الانتصارات.
***
نعم الحذر مطلوب، وعدم الثقة بالخصم الأمريكي من اهم مبادئ القيادة الإيرانية، ولكن هذا لا يعني عدم الاحتفال بهذه الانتصارات في حرب الأربعين يوما، ومن صمد أكثر من عامين من المفاوضات النووية دون ان يتنازل مليمترا واحدا، وحوّل معظم احياء تل ابيب الكبرى الى اطلال وركام يتماهى مع نظيره في قطاع غزة، سيصمد بالطريقة نفسها في مفاوضات الستين يوما، وسيتصدى لاي استئناف، او غدر لاي عدوان امريكي إسرائيلي جديد.
نعم ترامب باع “إسرائيل” بأرخص الاثمان بعد ان أدرك خدعة نتنياهو الكبرى، وتوريطه في هذه الحرب الإسرائيلية، والبيع والشراء والربح هي أبرز صفات سماسرة العقار، والأيام القادمة حافلة بالمفاجآت، وربما الصدمات لبعض القادة العرب الذين وضعوا كل بيضهم في سلة ترامب وامبراطوريته المنهارة، وقواعدها التي لم تحم نفسها ولم تحميهم، فمن يعيد رسم خرائط المنطقة في الوقت الراهن دولة اسمها ايران، ولا نستبعد تدفق الوفود العربية للحجيج الى العاصمة طهران في الأيام القليلة القادمة.. والأيام بيننا.
رأي اليوم