أدت سلطنة عمان على مدى أعوام طويلة، دور الوسيط الكتوم والموثوق في المفاوضات الشائكة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها غابت عن التفاهم الأخير بينهما، وتعرّضت حتى لانتقادات وتهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
قبل أعوام، خرج إلى العلن الدور المحوري الذي أدته مسقط في تسهيل التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية الكبرى عام 2015، بعدما استضافت مفاوضات سرية، ساهمت في تقريب وجهات النظر بين البلدين في ملف بالغ التعقيد، أثار أزمات كبرى على مدى سنوات طويلة.
لكن في الحرب الأميركية الإسرائيلية عام 2026، وجدت السلطنة الواقعة على الجهة المقابلة لإيران من مضيق هرمز، نفسها مستبعدة من دور الوساطة التي قادتها باكستان وشاركت فيها قطر بشكل فاعل، وسط اتهامات أميركية لمسقط بأنها قريبة أكثر مما ينبغي من طهران.
ويقول هاي. ايه. هيليير، كبير الباحثين في معهد الخدمات المتحدة الملكية ومركز التقدّم الأميركي، إن مسقط أبقت دوما “قنوات مفتوحة في الوقت عينه مع طهران وواشنطن ودول الخليج”.
وأضاف “ما تغيّر هو مستوى تقبّل واشنطن لوسيط يرفض أن يقطع قنواته مع إيران، وينخرط في الدبلوماسية بشكل يتماشى مع الخطاب الأميركي الأكثر عدائية”.
تاريخ من الوساطة
ومنذ عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، أدت عُمان أدوارا في الدبلوماسية الهادئة النشطة خلف الكواليس، وعُرفت بقدرتها على الحؤول دون التسريبات للإعلام، وردم الهوة بين الأطراف، على صورة سياستها الخارجية المتعددة التوجه.
ورغم أنه لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل، كانت عُمان أول دولة خليجية تستقبل مسؤولا إسرائيليا بارزا هو رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين عام 1994.
كما استضافت جولات من المباحثات لحل النزاع في اليمن.
إلا أن الدور الأبرز يبقى المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران قبل الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب أحاديا عام 2018، إضافة لتوسّطها بين البلدين خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي بدءا من 2025.
لكن هذه المفاوضات تعطلت مرتين، في حزيران/ يونيو 2025 بسبب الحرب الإسرائيلية، وفي شباط/ فبراير 2026 بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية.
ورغم تعرضها لهجمات بقيت أقل من تلك التي طالت دولا خليجية أخرى، تمسكت السلطنة في الحرب الأخيرة بموقف محايد وتواصلٍ مع طهران، في وقت كانت الولايات المتحدة تريد من حلفائها الخليجيين دعما كاملا غير مشروط للحرب الإقليمية غير المسبوقة.
وتجنبت السلطنة تسمية إيران مباشرة عند إدانة الهجمات التي طالت أراضيها أو المنطقة. وفي ذروة الحرب، بعث السلطان هيثم بن طارق رسالة تهنئة إلى مجتبى خامنئي بعد انتخابه مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية خلفا لوالده علي الذي اغتيل في مطلع الحرب.
كما نشر وزير الخارجية بدر البوسعيدي مقالا في مجلة “الايكونومست” في آذار/ مارس أثار جدلا، لاعتباره أن الهجمات الأميركية على إيران “غير قانونية”، وأن ردّ طهران على الخليج ربما كان “الخيار العقلاني الوحيد”.
“موظفون لدى إيران”
خرج التباين الأميركي العماني إلى العلن مع تهديد ترامب للسلطنة بـ”نسفها” إذا حاولت إدارة مضيق هرمز بالتنسيق مع إيران. كما حذرها وزير الخزانة سكوت بيسنت من عقوبات أميركية في حال جارت إيران في مسعاها لفرض نظام رسوم عبور في المضيق.
وقال مسؤول في إدارة ترامب للصحافيين هذا الأسبوع، إن واشنطن أبعدت العُمانيين من التفاوض لشعورها “بأنهم يتصرفون بازدواجية شديدة، ويكادون يكونون موظفين لدى الإيرانيين”.
رغم ذلك، يرى آلان آير، الدبلوماسي الأميركي السابق وعضو فريق التفاوض على الاتفاق النووي لعام 2015، ان واشنطن لم تتخل بالكامل عن مسقط.
ويوضح “الإدارة الأميركية الحالية تتعامل بمنطق المصلحة المباشرة. فإذا كانت عُمان قادرة على تقديم فائدة ما، ستواصل الولايات المتحدة التعامل معها”، مضيفا “لا أعتقد أن عُمان انحازت إلى أي طرف”.
وبموجب مذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان عن بعد الأربعاء، ستجري طهران حوارا مع مسقط “لتحديد إدارة الخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز” بالتشاور مع الدول الخليجية الأخرى.
“النهج العُماني”
ورغم أن حياد عُمان قد عرّضها لغضب الولايات المتحدة، فقد يكون حماها في المقابل من كثافة من الهجمات الإيرانية التي تعرضت لها دول الخليج.
وبقيت الضربات على السلطنة محدودة ومتباعدة، ما سمح لمطارها أن يصبح مركز عبور آمنا للراغبين بمغادرة المنطقة. ونظرا لوقوع جزء كبير من سواحلها خارج الخليج، أصبح ميناءا صحار والدقم مركزين إستراتيجيين للمُصدّرين الباحثين عن بدائل لهرمز.
وبعد تناقض المواقف خلال الحرب، بدا أن عواصم خليجية أخرى تقترب من نهج مسقط في الأسابيع الأخيرة، مع استئناف التواصل مع طهران، وإن بدرجات محدودة تحكمها رواسب الحرب وتداعياتها.
ويقول هيليير، إنّ “دول الخليج تقترب تدريجيا من النهج العُماني، لأن الدافع نفسه بات ينطبق على الجميع: عدم الثقة بالضمانة الأمنية الأميركية”.
عرب48
لماذا تخلت الولايات المتحدة عن وساطة عُمان في العلاقة مع إيران؟