عبد الباري عطوان
حرب الإبادة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي اليوم في لبنان، ويعيد تجديدها في قطاع غزة، ليس دليل قوة، وانما دليل إحباط وقهر ويأس، ومحاولة لإخفاء حالة الهزيمة والفشل على الصعد كافة، وعلى مختلف الجبهات والميادين، سياسيا وعسكريا واقتصاديا واخلاقيا.
العد التنازلي لزوال دولة إسرائيل بدأ فعلا، ولا نعرف كم سيستغرق، وأين نقطة النهاية وكيف، ولكن ما نعرفه ان الصمود الرباعي، اللبناني والفلسطيني واليمني والإيراني والانجازات التي يتم تحقيقها في ميادين المواجهة العسكرية هي التي تؤكد هذه الحقيقة.
***
الكثير من “الحكماء” العرب ونقولها بكل أسف، الذين يؤيدون بحماس الاستسلام، وليس السلام الابراهيمي تحت غطاء الواقعية، ويعارضون، بل ويتصدون بقوة لكل من يرفضه ويُخونه ويقف بقوة مع خيار المقاومة، باعتباره الطريق الأقصر، والاقل كلفة لاستعادة الكرامتين العربية والإسلامية، كانوا (الحكماء) وما زالوا يتخذون من إسرائيل وقادتها، وكتابها، واعلامها، وجنرالاتها المثل والقدوة، ولهذا لن نجادلهم، لأن الجدل معهم مضيعة للوقت، ولهذا نلفت نظرهم الى راي صادم لهم، وهو للمفكر والمؤرخ التاريخي الإسرائيلي العالمي يوفال نوح هراري، الذي اعترف بالصوت والصورة في “بودكاست” لصحيفة “نيويورك تايمز” “ان حركة حماس حققت في “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، نصرا عسكريا مذهلا على الجيش الإسرائيلي، وان نتنياهو هو العدو الأسوأ للقومية اليهودية، فهذا الهجوم لم يكن مجرد اختراق أمني، بل يشكل لحظة اذلال تاريخية لإسرائيل وجيشها على يد حركة “حماس”، مضافا الى ذلك ان إسرائيل خسرت امرا في قمة الخطورة، وهو السردية الأخلاقية والسياسية، مثلما خسرت دعم العالم لها بالتالي”، وأضاف “ان اغراء القوة الذي تبنته دولة إسرائيل قد يؤدي الى تدمير الفي عام من التاريخ اليهودي”.
اليوم تباهى يسرائيل كاتس وزير الحرب الاسرائيلي باغتيال المجاهد محمد عودة القائد الجديد لكتائب القسام باعتباره كان مسؤولا عن جهاز المخابرات “مجد” وأحد أبرز مهندسي هجوم “طوفان الأقصى”، في محاولة يائسة لإخفاء هذه الهزيمة التاريخية الكبرى والقاصمة التي لحقت بدولة الاحتلال، واكد على خطورتها المفكر الإسرائيلي المذكور آنفا، ولعل العودة الى حرب الإبادة وسياسة التهجير لأهل القطاع بإغلاق المعابر ووقف المساعدات الإنسانية، دليل افلاس والعودة الى الدفاتر القديمة، والارث الدموي في قتل اكثر من 75 الف من المدنيين نصفهم من الأطفال.
حذرنا في هذا المكان من اللؤم الصهيوني، ومن توقيع اتفاق وقف اطلاق النار الذي أدى الى الافراج عن جميع ما تبقى من الاسرى الإسرائيليين، تلبية لضغوط الوسطاء العرب، واعتمادا على الضمانات الامريكية ووعودها المخادعة، وها هو مسلسل الاغتيالات وحرب الإبادة والتجويع يعود بقوة، بعد تجريد المقاومة من اقوى أوراق ضغطها وهي “الاسرى”، تطبيقا لمقولة “خلا لك الجو فبيضي واصفري”.
الاغتيالات، ورغم تأثيراتها السلبية، النفسية والمعنوية تحديدا، لم تضعف “حزب الله” بل زادته قوة وصلابة، وعززت صفوفه، وسرعت بعودته بمسيّرات وصواريخ جديدة، وقيادة عسكرية شابة، زلزلت الأرض تحت اقدام الجيش الإسرائيلي ومستوطناته، ومدنه الكبرى، وهذا النموذج الاعجازي سينتقل حرفيا الى قطاع غزة بصورة او بأخرى، فمن ينفذ هجوم “طوفان الأقصى” بدقة غير مسبوقة، ويحفر 500 كيلومتر من الانفاق تحت الأرض، لن تقف أي عقبة في طريق عودته بقوة الى المقاومة.
توقفت طويلا عند آخر بيان للقيادة العسكرية لحزب الله الذي أكد ان المعارك الأخيرة مع قوات الاحتلال كانت وجها لوجه، وقتال العدو من المسافة صفر، وجرى تكبيده خسائر بشرية ضخمة كانت وراء التهديد بتوسيع الحرب وقصف العاصمة بيروت، وخاصة مطارها، ليتم التراجع لاحقا خوفا ورعبا من النتائج.
***
جميع الأهداف الإسرائيلية من العدوان على ايران بتوريط أمريكا وجر رئيسها ترامب مثل الخروف مفتوح العينين، لتحقيق الامن الوجودي لدولة الاحتلال فشلت فشلا ذريعا ومهينا، وعلى رأسها اسقاط النظام الإيراني، وجميع تهديدات الرئيس الأمريكي بمحو ايران من الوجود لم تتحقق، بل أعطت نتائج عكسية، أي تم تعزيزها والاعتراف الاجباري بسيادتها على مضيق هرمز، وها هي وحدة الساحات تعود أقوى مما كانت عليه في بداية العدوان، وها هم أعداء المقاومة في لبنان يتحسسون رؤوسهم خوفا ورعبا، والأمر المؤكد ان كاتس وزير الحرب الإسرائيلي، هو الذي يجب ان يشد الرحال وبسرعة لمغادرة فلسطين، اما أهل غزة فباقون في ارض القطاع الطاهرة ولن يغادروه الا الى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها في يافا والرملة واللد وصفد وحيفا وعسقلان واسدود وبئر السبع.. ونراها عودة ابدية قريبة جدا.. والأيام بيننا.
رأي اليوم