عبد الباري عطوان
الجديد في لبنان، وربما المنطقة العربية بأسرها، ليس المفاوضات المباشرة والتنسيق العسكري بإشراف امريكي بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ووفود سلطة التطبيع اللبنانية، وانما إنجازات كتائب المقاومة في الجنوب اللبناني المحتل، وهي إنجازات تتم “بصمت، ودون أي بهرجة سياسية او إعلامية، فليس هناك البيان الأول، والثاني، او العشرين، فمن يتابع اعلام المقاومة، يلمس “نغمة جديدة” لا يسودها قرع طبول الحرب والتعبئة الثورية التقليدية، والمبالغة لأعداد القتلى والجرحى في صفوف العدو، وانما تحليلات عملية رزينة للوقائع السياسية على الأرض، او في جبهات القتال من خلال خبراء ومحللين يتحلون بأرقى قيم التواضع والبساطة رغم قدراتهم وخلفياتهم المعلوماتية العميقة والراقية، ودون اللجوء الى التخوين او “الردح” الإعلامي المتبع عربيا للمعسكر الآخر الذي يتبنى سياسة الاستسلام باعتباره الأقصر للوصول الى وقف اطلاق النار، وعلى أرضية الترفع عن المعاملة بالمثل.
***
المقاومة اللبنانية تحقق الإنجازات والانتصارات بصورة شبه يومية في جبهات القتال ضد العدو الإسرائيلي، وتترك الإعلان عنها لاعلام العدو، لا يمر يوم دون اعلان المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي عن سقوط اعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وتقديم الاعلام الإسرائيلي ومحلليه، ومعظمهم من الجنرالات المتقاعدين، صورة قاتمة للخسائر الإسرائيلية في ميادين القتال عسكريا ومعنويا وسياسيا.
لم يفاجئنا التحقيق الميداني الذي اجراه مراسل صحيفة “هآرتس” اليومية المستقلة ونشره يوم امس ولخص فيه لقاءاته مع الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان، وحالة الإحباط واليأس المسيطرة عليهم، ووصول الاعداد المعلنة للقتلى والجرحى الى أكثر من 1043 منذ بداية الحرب في 28 شباط (فبراير) الماضي، ومعظم هذه الإصابات خطيرة جدا.
النقطة الأهم التي لفتت نظرنا وتحتل المرتبة الثانية بعد اعداد القتلى والجرحى، اعتراف العديد من الجنود بأعمال النهب والسرقات من المنازل اللبنانية التي هجرها أهلها في عجالة من قبل جنود جيش يدعي قادته انه الارفع أخلاقيا في العالم بأسره، حتى ان احد الجنود قالها بصراحة “تحولنا الى جيش من اللصوص، وكل مهامنا باتت محصورة في النهب وتدمر المنازل”، بينما قوات “حزب الله” تحقق الانتصار تلو الآخر في ميادين القتال من خلال إرادة مقاتليها القوية، واستخدام أسلحة ومسيّرات متطورة جدا، والتزام مطلق بالخطط العسكرية، واخلاقيات الحروب وقوانينها.
لم اشاهد انا شخصيا قائدا واحدا من “حزب الله” يقف امام شاشة الكترونية او خشبية ويشرح “بعصاه” الاداء الإعجازي لمقاتلي المقاومة في ميادين القتال، او ابراز صورة لهذه المسيّرات الانقضاضية التي أرهبت العدو وقواته، وكيفية فشله وأسلحته في التصدي لها واسقاطها.
هذا “التواضع” الذي يعكس السياسة الجديدة لإعلام المقاومة، الذي يرتكز على عقيدة “دع الإنجازات في ميادين القتال هي التي تتكلم”، هو دليل ثقة، ونَفَس طويل، وصبر استراتيجي، ومعرفة دقيقة بأسرار العدو السياسية والعسكرية، وهذا التطور بشقيه السياسي والعسكري يعكس استعدادا ميدانيا جرى الاعداد له طوال فترة “الصمت الاستراتيجي العسكري” للمقاومة بعد مجزرة “البيجرات” والاغتيالات التي امتدت لأكثر من عام ونصف العام، والتركيز على تجاوز الاستفزازات الإسرائيلية وامتصاصها وعدم الوقوع في مصيدة أهدافها لمصلحة إعادة بناء القوات المسلحة وتطوير أسلحتها، وتعويض الفراغات الناجمة عن الاغتيالات لقيادات الصف الأول، واستبدالها بعناصر شبة متقدمة في خبراتها الاكاديمية والعسكرية، وولائها الصلب للعقيدة والقيادة الميدانية الجديدة “السرية” وغير المعلنة.
***
انها ليست عملية “زئير الأسد” التي يطلقها الجيش الإسرائيلي وقيادته على عدوانهم على ايران ولبنان، وانما عملية “عواء الضبع” ونحيبه، وتعاظم جروحه ونزيفها الدموي اليومي، انها البداية لنصر قادم وبسرعة، ولعل هذا الارتباك والتخبط الذي يمكن استخلاصه بسهولة من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وملامح وجه نتنياهو الممتقع هو المرآة التي تعكس وتؤكد ما قلناه، ونقوله، وبشرنا به طوال الأشهر الأخيرة.. والأيام بيننا.
رأي اليوم