مرّت العلاقة الصينية الإيرانية بأطوار من التحوّلات جرّاء عقوبات وقيود أممية وأميركية على الجمهورية الإيرانية، الأمر الذي جعل الدعم العسكري الصيني لإيران يتّخذ أشكالًا متغيّرة مع مرور العقود، فكيف تطوّر هذا الدعم من الثمانينيات إلى اليوم؟
استرعت العلاقة بين الصين وإيران انتباه الولايات المتحدة مؤخرًا، وتناول مسؤولون أميركيون تقييمًا استخباراتيًا يدّعي احتمال دعم الصين لإيران بصواريخ تُطلق من على الكتف، جرّت هذه التصريحات تهديدات من ترامب تتمثّل في فرض تعرّفات جمركية إضافية بقيمة 50% في حال أُثبتت هذه الشكوك. وفي المقابل، أنكرت الصين هذه الادعاءات، ووصفتها بأنّها “افتراء تامّ”، كما تعهّدت بردّ “حازم” إذا مضت إدارة ترامب في فرض الرسوم الجمركية المذكورة.
حافظت الصين في العقدَين الأخيرَين على توازن دقيق في علاقتها العسكرية بإيران، واقتصر دعمها في الغالب بالمساعدة غير المباشرة، عوضًا عن بيع الأسلحة.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، أنّ تجارة الأسلحة بين الصين وإيران شهدت ارتفاعًا حادًا في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد فرض عقوبات على إيران من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، تحوّل الدعم الصيني إلى بيع إيران مكوّنات مزدوجة الاستخدام، أي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حدّ سواء.
وتقصّت الصحيفة الأميركية تطوّر الدعم العسكري الصيني للجمهورية الإيرانية، منذ ثمانينيات القرن العشرين وصولًا إلى الحقبة الحالية، وفي ما يلي عرض لخلاصة التقرير:
حقبة الثمانينيات
تزامن اندلاع الحرب الإيرانية العراقية عام 1980 مع تحوّل جوهريّ في السوق الصينية، وذلك بعدما أمر الرئيس الصيني آنذاك، دينغ شياو بينغ، الشركات المملوكة من الدولة بالانفصال عن الدعم الحكومي والبحث عن الربح التجاري.
أدى هذا التحوّل إلى غمر إيران بالصواريخ الصينية، والطائرات المقاتلة، والدبابات، والمركبات المصفّحة، والبنادق. وبحسب “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، فقد بدأ الإمداد الصيني لإيران في عام 1982، وبلغ ذروته في عام 1987.
وبعد استخدام إيران لصواريخ كروز صينية مضادة للسفن في هجوم أصيبت فيه ناقلتان أميركيتان في المياه الكويتية، فرضت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك، رونالد ريغان، قيودًا على صادرات الصين عالية التقنية.
حقبة التسعينيات: نقل التقنية إلى إيران
اتجهت إيران، بعد انتهاء الحرب مع العراق، نحو تطوير صناعتها العسكرية المحلية بمساعدة الصين. وكان صاروخ “نور” المضاد للسفن، الذي صنعته عبر هندسة عكسية لصاروخ كروز الصيني، C-802، أحد أبرز منتجاتها.
وقال برايان هارت، الزميل في مشروع “قوة الصين” بمركز “الدراسات الإستراتيجية الدولية”، إنّ الصين “لعبت دورًا كبيرًا في دعم تحديث القوة العسكرية الإيرانية لعقود، لا سيّما في تطوير قدرات إيران الصاروخية”.
وأضاف الخبير في الشأن الصيني، بايتس غيل، أنّ إيران تلقت مساعدة من الصين في بناء منشآت إنتاج الصواريخ أيضًا.
وتحت ضغوط الولايات المتحدة للحدّ من بيع الصين الأسلحة الجاهزة لإيران، لا سيّما الصواريخ، بدأت الصين تزيد صادراتها من القطع والمكوّنات التي يمكن استخدامها لأهداف مدنية وعسكرية.
حقبة الألفينات: تقنيات مزدوجة الاستخدام
فرضت الأمم المتحدة عقوبات على برامج إيران النووية والباليستية عام 2006، وصوّتت الصين مع القرار وابتعدت عن إبرام عقود تسليح جديدة مع إيران.
وبحسب تقرير “التايمز”، فإنّ هذا التحوّل الصيني كان متعلقًا بالعلاقات الإستراتيجية الإقليمية، إضافة إلى القانون الدولي. ذلك أنّ الصين اتجهت صوب تعميق علاقاتها الإستراتيجية مع دول الخليج، من بينها السعودية والإمارات، اللتان تعدّان من خصوم إيران التقليديّين.
إلّا أنّها استمرت بدعم إيران بتقنيات مزدوجة الاستخدام، إلى جانب موادّ أخرى ساعدت الجمهورية الإيرانية في مراكمة ترسانة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات.
شمل ذلك تزويد إيران بمواد كيميائية استُخدمت لإنتاج وقود الصواريخ الباليستية، ومكوّنات الطائرات المسيّرة، مثل موصِلات الترددات اللاسلكية، وشفرات التوربينات (وهي أجزاء متطورة تُستخدم في محركات الطائرات النفاثة، وتوربينات توليد الطاقة).
ووفق هارت، فإنّ الصين مازالت “تمثّل مصدر دعم جوهري لإيران؛ استنادًا إلى اعتماد إيران على الصواريخ الباليستية والمسيّرات في هجومها على القوات الأميركية والإسرائيلية، ودول أخرى في الإقليم”.
كما تتنامى شكوك بشأن استخدام إيران لنظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية الصيني، “بيدو”، لغايات عسكرية، إذ تظنّ الولايات المتحدة أنّ إيران استعانت به لتوجيه ضربات دقيقة بالصواريخ والمسيّرات.
عرب48